أبي منصور الماتريدي

392

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عنه بالحيل والأسباب ، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها ، ثم إذا زايل الإنسان ، وعاد المرء إلى حال اليقظة ، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا الإنسان : أنه إذا حمل الحمل الثقيل ، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه ؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة ، فمن تدبر في أمر النوم ، دله على عظيم شأنه وعجائب تدبيره . وقوله - عزّ وجل - : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ، فهذا اللباس لباس الأعين لا غير ؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة ، ولا يعمل لباس الليل عمل اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر . وقال بعضهم « 1 » : اللباس : السكن ؛ كما قال في آية أخرى : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [ الأنعام : 96 ] وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم ؛ فصرفوه إليه . وقوله - عزّ وجل - : وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ، أي : يتعيش فيه ، لا أن يكون نفسه معاشا ، كما سماه : مبصرا ؛ لما يبصر به ، لا أنه في نفسه مبصرا . وقوله - عزّ وجل - : وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ، أي : السماوات ، فذكرهم ؛ هذا لينبههم على قدرته وسلطانه ؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد ، قادر على ما يشاء . وقوله - عزّ وجل - : وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ، فكأن السراج هو الشمس هاهنا ، جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً : منهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشئ « 2 » فيها القطر ؛ يقال للجارية التي قد دنت حيضتها : معصرة ، فشبه السحاب بمعاصر الجواري . وقيل « 3 » : سمى السحاب : معصرا ؛ لأنه يعصر المطر . وقيل « 4 » : هي ذوات الأعاصير ؛ يعني : الرياح ، كقوله : فَأَصابَها إِعْصارٌ [ البقرة : 266 ] ، أي : ريح .

--> ( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير عنه ( 36007 ) . ( 2 ) في ب : ليس . ( 3 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 36021 ) وهو قول سفيان أيضا . ( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 36014 ) ، وعبد بن حميد ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، والخرائطي من طرق عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 500 ) .