أبي منصور الماتريدي
393
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعن الحسن : هي السماوات « 1 » . وقال الزجاج : المعصر : هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه ؛ كما يقال : مجرز لما أتى وقت جرازه . ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة ، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث : فأما وجه تذكير النعم ، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا ، ثم الله - تعالى - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه ، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها ، وينزل بعضها على أثر بعض ؛ لينتفع بها ، ولو التصق بعضها ببعض واتصل ، لم يقم لها شيء ؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك ، فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة ؛ لينتفع بها الخلق ، ويتمتعوا بها . وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال ، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك ، ومعلوم أن ذلك « 2 » الإرسال ليس من فعل السحاب ؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه ، ولو كان ذلك للسحاب نفسه ، لكان أينما مر يعمل في الإرسال ، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دخلت في الثقب أرسل السحاب ما أنشئ فيه من القطر ، فإذا « 3 » لم يوجد ذلك بان أن الله - تعالى - بحكمته وقدرته ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك ، ودبر إرساله ، لا أن يكون ذلك عمل السحاب ، ولو « 4 » أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر ، ولا يستمسك في مكان آخر ، لم يقف عليه ، فذكرهم ، ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر ، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر ؛ بل هو قادر على ما يشاء ، فعال لما يريد . وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار ؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه . والثجاج : القطر المتتابع بعضه على إثر بعض ، والثج : الصب ، والإراقة . وقوله - عزّ وجل - : لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً : جائز أن يكون ذكر الحب ؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له الحب - الحب ؛
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 36023 ) وهو قول قتادة أيضا . ( 2 ) في ب : تلك . ( 3 ) في ب : وإذا . ( 4 ) في ب : فلو .