أبي منصور الماتريدي
385
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعن الحسن أنه قرأ مخففة ( كالقصر ) ؛ غير أنه فسرها : أي : الجزل من الخشب ؛ الواحد : قصرة ؛ كقولك : تمرة وتمر « 1 » ، والله أعلم . وفيه إخبار عن عظم شررها وقدرها خلافا لما عليه سائر الشرر في الدنيا ؛ لأن شرر الدنيا لا يأخذ مكانا ؛ بل يتبين ثم ينطفئ . ثم جائز أن يكون بعض شررها في العظم كالخيام ، وبعضه كالقصور ، وبعضه كأصول الأشجار . وقوله - عزّ وجل - : كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ قرئ : جملت صفر جماعة الجمل ، وقرئ : جمالات جمع جمالة . والصفر : قيل « 2 » : السود ، وإنما سميت السود : صفرا ؛ لأن السود تعلوها الصفرة في الإبل ، فتسمى بهما ؛ يدلك « 3 » قول القائل عليه : تلك حبلى منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب « 4 » شبه الشرر بالقصر ، والقصر بالجمالة ، وهي الإبل السود . وقرئ جمالات برفع الجيم ، وهي حبال السفن تمد ، ثم إذا ضمت تكون كأوساط الرجال ؛ فشبه الشرر بالحبال الممدودة الصفر عند الامتداد وعند الانضمام كأوساط الرجال ؛ فتكون كالقصر . وقوله - عزّ وجل - : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ جائز أن يكون معناه : أنهم لا ينطقون نطقا ينتفعون به كما لم يكونوا ينطقون في الدنيا كلاما يقربهم إلى الله تعالى ، فعاملهم في الآخرة حسب معاملتهم الله تعالى في الدنيا ، وهو كقوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ الحشر : 19 ] ، وقوله تعالى : قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً الآية [ طه : 125 ] . ومنهم من يقول « 5 » : لا ينطقون في بعض المواضع ، وينطقون في بعضها . ويحتمل : أي : لا ينطقون بحجة ؛ بل يكذبون ؛ كقوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 35975 ) . ( 2 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 35979 ، 35980 ) ، وعبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 495 ) وهو قول الحسن ، ومجاهد . ( 3 ) في ب : بذلك . ( 4 ) في أ : كالرباب . ( 5 ) انظر تفسير ابن جرير ( 12 / 391 ) .