أبي منصور الماتريدي

386

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ : ليس أنه لا يقبل العذر منهم إذا أتوا به ، ولكن معناه : أنه لا عذر لهم ؛ ليقبل منهم ، وهو كقوله تعالى : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر : 48 ] ، معناه : أنه لا شفيع لهم ، لا أنهم إذا أتوا بشفعاء لم يشفع لهم ، وإذا لم يكن لهم عذر ، فهم لا يعتذرون بعذر . وقوله - عزّ وجل - : هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فيه إخبار أنه لا يخص بالبعث فريقا دون فريق ، بل يجمع الخلائق كلهم ، ثم يفصل بينهم ؛ فينزل كلا منزلته التي استوجبها فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [ الشورى : 7 ] . وقيل : هو يوم الحكم ؛ فجائز أن يكون سمي به ؛ لما يختصم فيه أهل المذاهب ؛ فيحكم فيه بين المحق وبين الذي كان على الباطل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ : جائز أن يكون يقال لهم هذا في الآخرة : أن كيدوا حتى تنجوا أنفسكم مما نزل بكم ؛ أي : إن كانت لكم حيل تحتالون بها فافعلوا ، وهو حرف التقريع والتوبيخ على نفي نفاذ المكر والحيلة ، ليس على ما عليه أمر الدنيا : أنهم يحتالون ويمكرون بأنواع الخداع والتمويهات . ويحتمل أن قيل لهم هذا في الدنيا ، أمر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن يعارضهم بهذا فيقول لهم : فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ في قتلي أو « 1 » إخراجي من بين أظهركم ، كما قال هود - عليه السلام - لقومه : فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [ هود : 55 ] ، فعجزهم عن ذلك يظهر لهم آية رسالته ، وحجة نبوته ؛ إذ خوف الأعداء من غير أعوان كانوا له ولا جنود مجندة ؛ بل كان وحيدا فريدا بين ظهراني قوم مشركين ، ليست همتهم إلا إطفاء هذا النور . قوله تعالى : [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 41 إلى 44 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ( 41 ) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 42 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 43 ) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 44 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ، فالمتقون : هم الذين اتقوا عذاب الله ، قال الله تعالى : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] ، وقال في آية أخرى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] وقال : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ البقرة : 201 ] ، فهذا هو التقوى .

--> ( 1 ) في ب : و .