أبي منصور الماتريدي
383
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ : وهم قوم نوح - عليه السلام - وقوم عاد وثمود . ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ : قوم فرعون اللعين وقوم لوط - عليه السلام - وغيرهم . كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ : قيل : مجرمي هذه الأمة . ثم اختلف في وقت فعله : فمنهم من يقول بأن هذا الإهلاك في الآخرة ، لقوله - عزّ وجل - : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ القمر : 46 ] . ومنهم من ذكر أنه فعل بهم يوم بدر . ومنهم من ذكر أن فعله بمجرمى أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « نصرت بالرعب مسيرة شهرين » « 1 » ، ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب ؛ حتى تركوا الانتداب إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه للمحاربة ، مع كثرة شوكتهم ، وقلة أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فهذا فعله بالمجرمين ، وفي إلقاءه الرعب ألطف آيات رسالته ، وأبين حجة عليها إذ كان فيه ما ينبههم أن الذي أقعدهم عن القتال ، وقذف في قلوبهم الرعب أمر سماوي لا غير ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 29 إلى 40 ] انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 34 ) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 36 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 37 ) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ( 38 ) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ( 39 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 40 ) وقوله - عزّ وجل - : انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ، معناه - والله أعلم - : إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله تعالى ، وهم كانوا يكذبون بالبعث وبالعذاب ، لكن يقال لهم هذا بعد البعث ؛ فهو منصرف إلى ما ذكرنا من العذاب . وقوله - عزّ وجل - : انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ : ذكر أن ذلك الظل دخان يخرج من جهنم ؛ فيظنون أنه ظل ؛ فينطلقون إليه ؛ رجاء أن ينتفعوا به .
--> ( 1 ) تقدم .