أبي منصور الماتريدي
367
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومنهم من ذكر في السلسبيل ، أي : سل سبيلا إلى تلك العين . وقال قتادة : أي : سلسلة السبيل ، مستعذب ماؤها . وقيل : سلسبيلا : شديد الجرية . وقوله - عزّ وجل - : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ : ذكر الولدان لا أن يكون فيها ولاد ؛ ولكنهم أنشئوا ولدانا ، فيخلدون كذلك ، لا يكبرون ، ولا يهرمون . وجائز أن يكون الولدان ولدان الكفرة الذين ماتوا في الدنيا صغارا ؛ فلا يكون لهم في الجنة آباء ؛ ليرفعوا إلى درجة الآباء ؛ فيجعلهم الله تعالى خدما لأهل الجنة . وقوله - عزّ وجل - : إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً : منهم من يقول : إن الله تعالى شبه حسنهم بحسن اللؤلؤ المنثور ؛ إذ أحسن ما يكون اللؤلؤ إذا كان منثورا ؛ فجائز أن يكون هؤلاء الولدان فضلوا في الحسن على سائر الجواهر التي تكون في الجنة ؛ كما فضل الدر في الدنيا على سائر الجواهر . ومنهم من يقول : إنهم ما لم يطوفوا فمن رآهم حسبهم لؤلؤا منثورا ، وإذا طافوا ، وتحركوا ، فحينئذ يعلمون أنهم ولدان . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً : قيل : هما اللذان لا نعت لهما ولا وصف . وقيل « 1 » : الملك : استئذان الملائكة عليهم ، وملوك الدنيا وإن علت رتبتهم لم يملكوا الاحتجاب من دخول الملائكة عليهم بغير استئذان ، والملك : هو الذي له نفاذ الأمور . وجائز أن يكون ذكر النعيم والملك الكبير على معنى أنه لا ينقطع عنهم ؛ بل إذا رأيتهم أبدا رأيتهم في نعيم وملك كبير . وقوله - عزّ وجل - : عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ : جائز أن يكون أراد بالعالي ما علا من المكان الذي هم فيه ، فيخبر أن في أعلى أماكنهم ثياب خضر من سندس كما هو في المكان الذي أسفل « 2 » موضع جلوسهم ؛ لأنهم يكونون على الأرائك والأحجال ؛ فيكون ما تحت الأحجال والأرائك من الأماكن زرابي مبثوثة ؛ ونمارق مصفوفة ، ويكون عاليها كذلك . فإن كان على هذا ، فلا فرق بين أن يكون فرش ذلك المكان من حرير وديباج غليظ -
--> ( 1 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 35853 ) ، وعبد بن حميد ، والبيهقي عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 488 ) وهو قول سفيان أيضا . ( 2 ) في ب : سفل .