أبي منصور الماتريدي
368
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إن أريد بالإستبرق الديباج الغليظ - وبين أن يكون من ديباج رقيق ؛ إذ كل ذلك مما يرغب في مثله ، والله أعلم . وقيل : عليهم ، أي : أعلى ثيابهم سندس خضر وإستبرق . وقال بعضهم : عالي أنفسهم ثياب سندس . ومنهم من صرف السندس إلى اللباس والإستبرق إلى ما بسط ؛ لأن الديباج الغليظ مما لا ترغب الأنفس إلى لبس مثله ؛ فجمع بين ما يلبس وبين ما يفرش ، وبيّن الفعل في أحدهما ، ولم يذكر في الآخر . ومنهم من قال : عالِيَهُمْ هم الولدان يطوفون من أعاليهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ : بشرهم بالأساور من فضة « 1 » ؛ لأن الفضة مستحسنة بنفسها ؛ لبياضها ، والذهب استحسانه لقدره وعزته ، ليس لنفسه ؛ لأنه أصفر ، والأعين لا تستحسن « 2 » هذا اللون ؛ فجرت البشارة بالفضة لا بالذهب . وقال بعضهم : يحلى الرجال بأسورة من فضة ؛ على ما أبيح لهم التحلي بخاتم الفضة في الدنيا ، وتحلي النساء بأساور الذهب على ما أبيح لهن التحلي بخاتم الذهب في الدنيا . وقوله - عزّ وجل - : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً : قيل : هو الخمر تطهر من الآفات ومن كل مكروه ، وتطهر قلوبهم من الغل ؛ فيعمل ذلك الشراب في تطهير الظاهر والباطن ، وشراب الدنيا يطهر ظاهر البدن ، وباطن البدن ينجس الشراب . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع » ، فقال يهودي : إن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة ؛ فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « حاجة أحدهم عرق يفيض من جسده ؛ فتضمر لذلك بطنه » . والأصل أنك قد ترى الطعام الذي يطعمه الإنسان في الدنيا تبقى قوته في البدن حتى يظهر ذلك في كل جارحة من جوارحه ، وكذلك شهوته تبقى فيها ، ثم يخرج الثفل منها والفضل ؛ فجائز أن يرفع الله تعالى عن ذلك الطعام الفضل الذي يزايل البدن ؛ فيكون « 3 »
--> ( 1 ) في ب : الفضة . ( 2 ) زاد في ب : إلا . ( 3 ) في ب : ويكون .