أبي منصور الماتريدي
351
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته » « 1 » وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية ، ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم ، وذلك غير مستقيم لوجهين : أحدهما : أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة ، ولو كان المراد من الرؤية العلم ، لارتفع الاختصاص ؛ لأن العلم به مما يقع به الاشتراك بين الفريقين . ولأن كلا يجمع على العلم بالله تعالى في الآخرة ، العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب ، والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم العيان والمشاهدة ، لا علم الاستدلال ؛ لأن الآيات لا تضطر أهلها إلى العلم الحقيقي ؛ ألا ترى إلى قوله : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى . . . [ الأنعام : 111 ] ، وقال : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] ، وقال : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ [ المجادلة : 18 ] ، فإذا ثبت ما ذكرنا ، فقد صاروا مثبتين للرؤية من الوجه الذي أرادوا نفيها ؛ فتثبت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله تعالى ، ولا نصف الرؤية بالكيفية ؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة ؛ وهو يرى بلا كيف ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ جائز أن يكون الظن في موضع العلم هاهنا . وجائز أن يكون على حقيقة الظن ، وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء ، فالأسباب إذا كثرت ، وازدحمت ، وقع بها العلم ، وإذا قلت وخفيت ، لم يقع بها علم ؛ فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل جانب حتى وقع له اليأس من النجاة ، وأيقن أنه يفعل به الشر . وجائز أن يكون الأمر بعد لم يبلغ مبلغ الإياس ؛ فيتوقع النجاة ، ولا يتيقن أن يفعل به فاقرة ، بل يكون منه على ظن ، والله أعلم . والفاقرة : قيل « 2 » : الشر ، والمنكر ، والداهية . وقيل : الفقير : هو كسير الظهر ، والفقر : الكسر ، والفقار : عظم في الظهر يكسر ، فكأن عظم الظهر يكسر في الآخرة ويسحب في النار على وجهه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2 / 33 ) كتاب مواقيت الصلاة ، باب : فضل صلاة العصر ( 554 ) ، ومسلم ( 1 / 439 ) كتاب المساجد ، باب : فضل صلاتي الصبح والعصر ( 211 / 633 ) . ( 2 ) قاله مجاهد وقتادة أخرجه ابن جرير عنهما ( 35671 ، 35672 ) وذكر السيوطي في الدر المنثور ( 6 / 477 ) طرقا أخرى عنهما .