أبي منصور الماتريدي
352
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال - رحمه الله - : كأن هذه السورة من أولها إلى آخرها إلا آيات منها ؛ وهي قوله : بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ . وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ - نزلت في تبيين معاملة واحد من الكفرة على الإشارة إليه مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، يشترك في حكم من يشاركه في معاملته ، فأمر الله تعالى نبيه - عليه السلام - أن يعامله ويستقبله بالذي يحق على الحكماء معاملة السفهاء ، ولم يأمره أن يعامله معاملة مثله من السفهاء ، وبين معاملته في هذه السورة ؛ ليعلم أمته ما لقي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من الجهد والبلاء في إظهار دين الله تعالى ، فيعلموا قدره ومنزلته ، ويعظموا دين الله تعالى بما نالوه سمحا سهلا ، وأمره أن يتعامل معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشوكة بقوله : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى . ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [ القيامة : 34 ، 35 ] ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 26 إلى 35 ] كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 32 ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ( 33 ) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ فقوله : كَلَّا ، يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون أريد به : حقا . ويحتمل أن يكون على الردع والرد ؛ أي : لا تفعل مثل هذا ؛ فإنك ستندم في الوقت الذي قال : إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ؛ كأنهم سألوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن وقت ندمه ، فبين لهم ذلك بقوله تعالى : إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ، والتراقي : هي عروق العنق ، كأنه يقول « 1 » : حين تزول النفس ، أي : الروح عن مكانها ، وتنتهي إلى التراقي . وقوله - عزّ وجل - : وَقِيلَ مَنْ راقٍ جائز : أن يكون الملائكة هم الذين يقولون هذا ، فيقول بعضهم : من يرقى بروحه : أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ من رقي يرقى ، أي : صعد . أو : من يقبض روحه ؟ ويحتمل أن يقول أهله : من الذي يرقيه رقية فيشفى ؟ فيكون فيه إخبار عما حل به من الضعف والشدة ؛ أنه يمتنع عن أن يقول : ادعوا لي راقيا لعلي أشفى ؛ فيكون أهله هم الذين يقولون هذا فيما بينهم . وقوله - عزّ وجل - : وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ : جائز أن يكون الظن على الإيقان هاهنا ؛ لما وقع له اليأس « 2 » من الحياة ، وكذلك روي
--> ( 1 ) في ب : قال . ( 2 ) في ب : الناس .