أبي منصور الماتريدي
330
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الملأ الأعلى - معرضين ؛ وذلك يكون في طاعته ، والإقبال على عبادته ، وهو كقوله تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ الأنبياء : 10 ] معناه : أنكم تصيرون به مذكورين ، ويعظم قدركم لو اتبعتموه ، ولم تضيعوا حرمته . وقوله - عزّ وجل - : كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ بنصب الفاء وخفضه . فمن قرأ بخفض الفاء صرف الفعل إليها ، كأنه يقول : حمر نافرة ، ونفر واستنفر واحد ؛ كما يقال : استرقد القوم ، أي : رقدوا . ومن قرأ بنصب الفاء ، فتأويله : أنه فعل بها ما يحملها على النفار ، وذلك يكون بالرمي وبالقانص من الأسد ، كما ذكره أهل التفسير في تأويل القسورة هي الأسد ، أو الرماة ، أو الصيادون . ويقال : هي النفرة « 1 » ، وكان هذا تشبيها بالحمر الوحشية التي في طبعها النفار . ووجه التقريب هو أن هؤلاء أعرضوا عما في الإقبال عليه نجاتهم وتخلصهم من العطب ، ونفروا كنفار الحمر المستنفرة من العطب والهلاك . وفي هذه الآية تبين شدة سفههم وغاية جهلهم ؛ لأن الحمر « 2 » تنفر عن القانص والرامي والأسد ؛ لتسلم من الهلاك والعطب ، وهؤلاء الكفرة نفروا عما فيه نجاتهم إلى ما فيه هلاكهم وعطبهم ؛ فهم أشر من الحمير وأضل . وقوله - عزّ وجل - : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً . قال بعض أهل التأويل : إن المشركين قالوا : يا محمد ، بلغنا أن الرجل في بني إسرائيل كان إذا أذنب ذنبا ، فيصبح ، وجد صحيفة معلقة على باب داره أو مكتوبا عند رأسه : إنك أذنبت كذا . وزاد بعضهم : إنك أذنبت كذا ، وتوبتك كذا . وسألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يجعلهم كذلك ؛ فأخبر الله تعالى ذلك عنهم ، ثم آيسهم عن ذلك ، فقال : كَلَّا ، أي : لا تنالون ما تأملون . وقال قتادة : قالوا : يا محمد ، إن سرّك أن نتبعك فائت كل واحد منا بصحيفة خاصة : إلى فلان بن فلان ، تأمرنا فيها باتباعك « 3 » .
--> ( 1 ) في ب : البقرة . ( 2 ) في ب : الحمير . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 35519 ) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 461 ) .