أبي منصور الماتريدي
331
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : سألوا أن يؤتوا ببراءة بغير عمل . ولكن لا يجب قطع الأمر على واحد من هذه التأويلات ، بل يقال بها على جهة الإمكان والاحتمال ؛ لأن هؤلاء المفسرين لم يشاهدوا أولئك القوم الذين صدرت منهم هذه الإرادة ؛ ليخبروهم ما ذا أرادوا به ؟ حتى يثبت ما ذكروا من القصة والأخبار ، ولا تواترت الأخبار من عند ذي الحجّة النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أنهم سألوه ذلك ؛ لذلك لم يستقم قطع الأمر على ما ذكروا . وجائز أن تكون هذه الإرادة تحققت في بعض الكفرة وهم الرؤساء منهم والأكابر ، لا أن أراد كلّ في ذات نفسه أن يؤتى صحفا منشرة . والإرادة هاهنا عبارة عن الطلب ، ثم طلبهم ما ذكر يتوجه إلى أوجه ثلاثة : أحدها : أن يكون كل واحد من عظمائهم ود أن يكون [ هو ] « 1 » المخصوص بإنزال الكتاب عليه ؛ كما قال في آية أخرى : وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [ الأنعام : 124 ] ؛ فيكون في هذا إظهار استكبارهم على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، على جهة التعنت والعناد ؛ ليصير ذلك آية لهم في تحقيق رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، كما قال الله تعالى حكاية عنهم : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . . . إلى قوله : أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [ الإسراء : 90 - 93 ] ، ففي هذه الآية إبانة أنهم كانوا يطلبون إنزال الكتاب عليهم ؛ ليتقرر لديهم رسالة [ نبينا ] « 2 » محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك على جهة التعنت والعناد ؛ وإلا لو تفكروا في حاله أداهم ذلك إلى العلم برسالته من غير أن يحتاجوا إلى تثبيت رسالته بكتاب ينزل عليهم ، والله أعلم . وجائز أن يكونوا رأوا أكابرهم أحق بالرسالة من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وأولى بإنزال الكتاب عليهم ؛ لما رأوهم أفضل من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ألا ترى إلى قوله : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] ، وقال في آية أخرى : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] ، فأرادوا أن يؤتوا صحفا منشرة لهذا المعنى ؛ إذ هم أولى أن يخصوا بهذه الفضيلة . وإنما ذكرنا هذه التأويلات في هذه الآية ؛ لأن هذه المعاني التي ذكرناها قد ظهرت منهم بمتلو القرآن ، والتأويلات التي ذكرها أهل التفسير لا يتهيأ تثبيتها من جهة الكتاب ولا من جهة الإخبار عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فصارت هذه التأويلات أمكن وأملك بالآية من غيرها ، والله أعلم .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب .