أبي منصور الماتريدي

327

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الأفعال ؛ والصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإطعام المساكين ، وصيام شهر رمضان ، وغير ذلك من العبادات ؛ فاشتد عليهم [ ذلك ] ؛ فتركوا الإيمان بها ؛ لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان . وقوله - عزّ وجل - : وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ : فالخائض هو الذي يخوض في الباطل . وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ : أي : حتى أيقنا أنا كنا على باطل فيما كنا نخوض فيه . وقوله - عزّ وجل - : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ معناه : أن لا شفيع لهم ؛ والأصل : أن الشفاعة إذا أضيفت إلى أهل الكفر ، فقيل : ليس لهم شفعاء ، أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين ، اقتضى نفي الشفاعة ، أي : لا شفيع لهم . وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان اقتضى نفي الانتفاع بشفاعة الشفعاء ، ولم يقتض نفي الشفاعة ؛ كما ذكرنا : أن الأفعال التي يكون قوامها بالإيمان إذا أضيفت إلى الكفار فهي تقتضي نفي القبول ، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان فهي [ تقتضي ] « 1 » نفي الفعل . وقولنا بأنه إذا قيل : « لا شفيع له » ، وأريد به أهل الإسلام ، فهو يقتضي نفي الانتفاع ، ولا يقتضي نفي الشفاعة - فذلك ينصرف عندنا إلى أهل الاعتزال والخوارج ؛ لأنا نرى أصحاب الكبائر من أهل الإسلام مستوجبين للشفاعة ، وهم يقولون : لا يجوز في حكم الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر ، بل يخلدهم في النار ؛ لأن الله تعالى أوعد النار لمن ارتكب الكبائر ، وأخبر أنهم يخلدون فيها ؛ فلا يجوز أن يقع في وعده خلف ، أو يتحقق في خبره كذب ، ولو استوجبوا الشفاعة ، ونالوا بها المغفرة من رب العزة ، لصار فيما وعد مخلفا ، وفيما أخبر كذوبا ؛ فمثل هؤلاء إذا ارتكبوا الكبائر لا يرجى لهم الخلاص بالشفاعة أبدا ؛ بل يحكم عليهم بالخلود في النار ؛ فيرتفع ما يثبت الكذب وينتفي [ ما يوجب ] « 2 » خلف الوعد . ولأنهم لما اعتقدوا التخليد في النار لمن ارتكب الكبائر ، وجب أن يكون نفيهم الشفاعة بزعمهم على ذلك ؛ لأن الله تعالى يقول : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ . فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 29 ، 30 ] ؛ فلا يجوز أن يحق عليهم العذاب ثم لا ينالهم العذاب إذا بعثوا . ثم احتج فريق منهم بنفي الشفاعة في الآخرة بقوله : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : بوجوب .