أبي منصور الماتريدي

328

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ الشعراء : 100 ] ، وبقوله : أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [ البقرة : 254 ] ، وبقوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ [ البقرة : 123 ] ، وزعموا أن شفيع كل امرئ منهم عمله يومئذ ؛ فمن حسن عمله نجا به ، ومن ساء عمله حق عليه العذاب ، ولم يكن له شافع ، ولو وجب نفي الشفاعة بما ذكر من هذه الآيات الظاهرة ، لوجب تحقيقها بقوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 28 ] ، وبقوله : يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [ طه : 109 ] ؛ إذ في هاتين الآيتين أن الله تعالى قد يأذن بالشفاعة يومئذ للبعض ؛ فثبت أن ما ذكرتم من نفي الشفاعة ، لم يقتض نفيا على الإطلاق ، بل النفي انصرف إلى بعض الخلائق ، ووجب القول بثبوتها لبعضهم . ثم جاءت الأخبار مفسرة على إيجاب القول « 1 » بالشفاعة لأهل الكبائر ؛ فثبت أن ما ذكر من قوله - عزّ وجل - : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ [ الشعراء : 100 ] ، وقوله : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [ البقرة : 254 ] منصرف إلى أهل الكفر ، وبه نقول . ومن المعتزلة من يحقق الشفاعة ، ولكنه يراها للذين يستوجبون استغفار الملائكة في الدنيا ، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [ غافر : 7 ] ، فأما أصحاب الكبائر ؛ فإنهم « 2 » لا تنالهم شفاعة أحد ؛ بل يخلدون في النار . فيقال لهم : فأية منفعة تحصل للذين تابوا واتبعوا سبيله « 3 » في الشفاعة ، وهم قد استوجبوا الخلاص بتوبتهم ، واتباعهم سبيل الرشاد . فإن قالوا : منفعتهم بها : أنه يعظم قدرهم عند الله تعالى ، ويستوجبون بها فضل الدرجات ؛ كما ترى المرء في الشاهد يذكر أخاه عند الملوك بحسن السيرة ، ويذكره بما فيه من المناقب الجميلة والمحاسن ، ويبتغي بذلك إعلاء منزلته ، وإعظام قدره عندهم ؛ ليعظموه ، ويبجلوه ، فكذلك الشفعاء في الآخرة يثنون عند الله تعالى على « 4 » أوليائه خيرا ؛ ليزيد في درجاتهم ، وتعظم منزلتهم عند الله تعالى . والجواب أن هذه الزيادة في الدرجات ليست إلا إلى الوصول إلى فضول الشهوات ، وفضول الشهوات والزيادة في اللذات لا تذكر في المنافع ؛ إذ لا حاجة [ لهم ] « 5 » إلى ما هو

--> ( 1 ) في ب : القبول . ( 2 ) في ب : فإنه . ( 3 ) في ب : لسبيله . ( 4 ) في أ : من . ( 5 ) سقط في ب .