أبي منصور الماتريدي

320

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إليه العاقبة ؛ فالتقطوه ؛ رجاء أن ينتفعوا به . ولا يجوز أن تخفى على الله تعالى عواقب الأشياء ؛ فيكون فعله في الابتداء لغير ذلك الوجه . وقولهم : لدوا للموت وابنوا للخراب فهذا يتكلم به في موضع التذكير والدعاء ؛ لئلا يحرص المرء في بناء الأبنية ، بل يزهد عنه ، ولا يجوز أن يخفى على الله تعالى أمر ؛ فيخرج الأمر فيه مخرج التذكير « 1 » ؛ فثبت أنه على التحقيق ، والله أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا : فالمثل يذكر بمعنى البيان ؛ كقول القائل : « أمثل لك صورة كذا » يريد أبين لك . وقوله - عزّ وجل - : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، فهذا كله تفسير قوله تعالى : وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً . . . الآية ، أي : يضل به من كان في علمه أنه يختار الضلال ، واختياره الضلال هو أن ينظر في آيات الله تعالى بعين الاستهزاء والاستخفاف ، ومن كان نظره في آيات الله ما ذكرنا ، أضله الله تعالى ، وزاده غواية ، ومن نظر في [ آيات الله ] « 2 » بعين الاستهداء والاسترشاد ، واستقبلها بالتبجيل والتعظيم لها ، وفقه الله تعالى ، ومن عليه بالهداية ؛ وهو كقوله تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [ فصلت : 44 ] وغير ذلك ، والله الموفق . وقالت المعتزلة : قوله : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ، أي : يسميه : ضالا ، أو يحكم عليه بالضلال إذا ضل ، لا أن يكون الله - تعالى - يضله ، ويشاء ضلالته . فيقال لهم : إذا كان الله يريد أن يؤمن به ، وذلك إرادته في كل أحد عندكم فتسميته إياه : ضالا ، وحكمه بالضلال وهو يريد أن يهتدي - جور منه ، وفيه تحقيق كذبه ، جل الله تعالى عن أن يلحقه وصف الجور في فعله ، أو ينسب إلى الكذب . وقال أبو بكر الأصم : تأويله : أن الله - تعالى - ينصب طريقا ، من سلكه أفضى به إلى الهداية ، ومن زاغ عنه صار إلى الضلال ، ولا يتهيأ لأحد من الخلائق أن ينصب مثله . فنقول : لو كان التأويل على ما زعم لكان حقه أن يقال : « كذلك يضل الله ما يشاء ويهدي ما يشاء » ؛ فلما قال : مَنْ يَشاءُ ، و « من » يعبر به عن الأشخاص العقلاء [ لا ] عن

--> ( 1 ) في ب : التذكر . ( 2 ) في ب : آياته .