أبي منصور الماتريدي

321

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الطريق التي لا يعقل ، ثبت أن الذي قاله ليس بشيء يعتمد عليه . [ ثم ] « 1 » الأصل أن قوله : يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ من صفات الربوبية ، وفيه امتداح الرب - تعالى - بالفعل لما يريد ، فلو لم يكن مريدا منهم ما قد كان ، ولم يرد كون ما علم أنه يكون ، سقط الامتداح ، وخرج عن أن يكون من صفات الربوبية ؛ فثبت أن الله تعالى شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم . وقوله - عزّ وجل - : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ : فالجنود « 2 » هو اسم للجماعة التي ينتقم بها ، وينتصر بها . وجائز أن يكون قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ منصرفا إلى الملائكة ، التي هي « 3 » أصحاب النار ، ليس ما جعله من خزنة النار عددا قليلا ؛ لقلة جنوده ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ، أي : [ لا يعلم ] مقادير قواهم وأحوالهم إلا الله ؛ فمعناه : لا يعلم جنود ربك ، أي : لا يعلم قوة هؤلاء الجنود وبطشهم وهيبتهم إلا هو . ثم يجوز أن يكونوا سلطوا على تعذيب أهل النار ؛ على جهة الامتحان « 4 » للملائكة ؛ كما امتحن بعضهم بإيصال التحف والكرامات إلى أهل الجنة ، وكما امتحن بعضهم في الدنيا بقبض الأرواح ، وبعضهم باستنزال الأمطار ، وغير ذلك . وجائز أن يكون تسليطهم على أهل النار على جهة الثواب والجزاء لهم ؛ لأنهم يتلذذون بما يعذبون أهل النار ، وينتقمون من أعداء الله تعالى ؛ لأن المرء في الشاهد إذا وصل إلى الانتقام من عدوه ، تلذذ به وتنعم . ويحتمل أن يكون قوله - عزّ وجل - : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ، أي : وما يعلم كثرة جنود ربك إلا هو . ويحتمل : وما يعلم السبب الذي به يجعل الجنود ، ويصلحون للانتقام إلا هو ؛ إذ هو القادر على أن يجعل أضعف شيء من خلقه جندا ينتقم به من أعدائه ، كما في قصة البعوض في زمن نمرود ، وغير ذلك من إرسال الطير إلى أصحاب الفيل ، وإمطار الحجارة على قوم لوط ، ونحو ذلك . ويحتمل أن يكون قوله - عزّ وجل - : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ، أي : لا يعلم ما الذي يتخذ الله تعالى جندا للانتقام من الأعداء إلا هو ؛ ألا ترى أن الله - تعالى - انتقم من بعض

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : فالجند . ( 3 ) في أ : هم . ( 4 ) في أ : الاستحسان .