أبي منصور الماتريدي
305
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أو يكون جوابا لقوله : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إذا نقر في الناقور . أو كان السؤال واقعا عن أمر ، لم يشر إلى ذلك الأمر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ذلك اليوم يوم رحمة للمؤمنين ؛ إذ في ذلك اليوم يكرمون ، وينالون عظيم الدرجات من ربهم ، ولكن الله - عزّ وجل - ذكر ذلك اليوم في غير آي من « 1 » كتابه ، والأحوال التي تكون فيه ، وإن كانت تلك الأحوال تنزل على غير المؤمنين ، فمرة سماه : واقعة ، ومرة : قارعة ، ومرة : حاقة ، وإنما يقع العذاب على الكفرة ، ويحق عليهم ؛ فلذلك سماه : عسيرا ، وإن كان هو عسيرا على فريق ، يسيرا على غيرهم . وجائز أن يكون عسيرا على الخلائق أجمع ، بعض هول ذلك اليوم يشمل الفرق كلها ، كما قال : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى [ الحج : 2 ] ، ثم إن المؤمنين تفرج عنهم الأهوال بما يأتيهم من البشارات والكرامات عن الله تعالى ، ويبقى عسره على أصحاب النار . وقوله - عزّ وجل - : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة « 2 » ، والأصل أن الأنباء التي ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة فيها إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم ، وذلك أن فرعون كل نبي كان واحدا ، وكان من سواه يصدر عن رأيه ، وينتهي إلى تدبيره ؛ فكان يستغني عن مخاطبة من سواه ، وقد كثرت فراعنة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، فكان كل واحد منهم يدعي الرئاسة لنفسه ، ويمتنع عن متابعة غيره ، والصدور عن رأيه والانقياد له ، منهم أبو جهل ، ومنهم الوليد بن المغيرة ، ومنهم أبو لهب ، وغيرهم ؛ فكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه ، ومن احتاج إلى مخاطبة أقوام ، وإجابة كل واحد بحياله ، كان الأمر عليه أصعب من الذي احتاج إلى مخاطبة واحد ؛ ففي هذا أن المحنة على رسولنا - عليه الصلاة والسلام - كانت أكبر مما امتحن بها من تقدمه من الرسل ، عليهم السلام . ثم قوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً فيه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يمنعه عن شيء حتى يقول له : ذَرْنِي ، ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على الابتداء من « 3 » جهة إظهار القوة ؛ يقول الرجل لآخر : « خل بيني وبين فلان » ، و « دعني وإياه » من غير أن يكون سبق منه المنع ؛
--> ( 1 ) في ب : في . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 35389 ) ، وهو قول مجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم . ( 3 ) في ب : على .