أبي منصور الماتريدي
306
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيريد به إظهار القوة من نفسه : أنه كافيه ، وقادر على دفع شره عن نفسه ؛ فيكون في قوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً دعاء من الله تعالى إياه إلى ألا يتعرض له ، ولا يجازيه بصنيعه ؛ فإن الله تعالى يكفيكه ، ويدفع عنك شره . أو يكون فيه نهي عن أن يدعو عليه بالهلاك والثبور ، ويصبره [ إلى ] « 1 » أن يأتيه أمر الله تعالى ؛ فيكون [ في ] « 2 » هذا مسلاة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك أن المتنازعين إذا تنازعا في شيء ، وحدث « 3 » بينهما شر ، فانتصب ثالث في نصر أحدهما خف الأمر على المنصور ، ويفرح لذلك ، ويسلو به ، فإذا كان الله تعالى هو الذي يقوم بنصر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ويكفيه عن عدوه ، كان ذلك أكثر « 4 » في التسلي والتفرج ؛ فيكون في هذا تمكين من الصبر « 5 » الذي دعي إليه بقوله : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] ، وبقوله : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ . . . الآية [ القلم : 48 ] . ثم قوله - عزّ وجل - : خَلَقْتُ وَحِيداً يحتمل وجهين : أحدهما : أي : خلقته وحدي ، ولم يكن لي في الخلق ناصر ومعين ولا مشير . وجائز أن يكون معناه : أي : خلقته وحيدا ، لا مال له ، ولا ولد ؛ فيكون في هذا [ وعيد و ] « 6 » تخويف لذلك اللعين ، أي : كيف لا يخاف أن يعاد إلى الحالة التي كان عليها يوم خلق بلا مال ولا ناصر ؛ كقوله : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام 94 ] . وقوله - تعالى - : وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً : قيل : مالًا مَمْدُوداً ، أي : مالا لا ينقطع ، بل يكون له مدد . وذكر عن مجاهد أنه قال : كان ذلك ألف دينار « 7 » . وقال السدي : مالًا مَمْدُوداً ثلاثة عشر ألفا . وقيل : أراد به ما جعل له من الضياع بالطائف ، تثمر « 8 » في السنة مرتين . ولكن عندنا المال الممدود هو المتتابع الذي لا ينقطع مدده ، والذي لا ينقطع مدده لا يقع تحت الإحصاء .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : وجدت . ( 4 ) في ب : أكبر . ( 5 ) في أ : البصر . بالباء . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) أخرجه عبد بن حميد ، ومجاهد ( 35395 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 453 ) . ( 8 ) في أ : ثم .