أبي منصور الماتريدي
295
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم وجه رفع قيام الليل عنهم بالمجاهدة والضرب في الأرض وإن كانا يحصلان في النهار لا في الليل : هو أن المجاهدة بالنهار تضعفهم ، وتوهن قواهم ؛ فيتعذر عليهم قيام الليل ، وكذلك الضرب في الأرض ؛ فمن الله تعالى عليهم بأن رفع عنهم قيام الليل ، وإن لم يوجد منهم الاشتغال بالجهاد بالليالي ، والله أعلم . ثم الضرب في الأرض يكون للتجارة ، ولغيرها من الوجوه : لطلب العلم ، وغيره « 1 » من الأسباب ؛ فلا يحصل أمر الضرب على التجارة خاصة . وقوله - عزّ وجل - : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ . قال أبو بكر في قوله : وَآتُوا الزَّكاةَ دلالة أن هذه الآية مدنية ؛ لأن الزكاة إنما فرضت عليهم بالمدينة ، فإن كان الأمر على ما ذكر : أن فرضها نزل « 2 » بالمدينة فذلك عندنا مصروف إلى زكاة المواشي خاصة ؛ لأن أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يكن لهم بمكة سوائم ؛ لأنهم كانوا يخافون العدو ؛ فلم يتهيأ لهم إسامة المواشي ، وأما ما رجع من الزكوات إلى غيرها من الأموال ، فيشبه أن تكون واجبة عليهم في حال كونهم بمكة ، وبعد مفارقتهم منها ، ولا يكون في الأمر بإيتاء الزكاة دلالة نزولها بالمدينة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً : فالقرض - في لغة العرب - : القطع ، يقال : قرض الفأر الجراب ، أي : قطعه ؛ فسمي القرض : قرضا لهذا ؛ لأنه يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره ، وكذلك هو بالتصدق يقطع ذلك القدر ؛ فيجعله لله تعالى خالصا ؛ فسمي : إقراضا لهذا . ويجوز أن يكون أضاف إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما يتصدق عليه ؛ إذ الإقراض حصل فيما بينه وبين ربه ؛ فيصير الفقير معاونا له في تلك القربة . ولأن المرء في الشاهد إنما يقرض ما يفضل عن حاجته ، فيدفعه إلى من يثق به ، ليسترده منه عند حاجته إليه ؛ فكذلك الصدقة أوجبت في المال الذي يفضل عن حاجاته ، فيقرضها لله تعالى فيجدها مهيأة عندما تمسه الحاجة . ثم المال الذي يدفعه إلى الفقير على جهة التصدق هو مال الله تعالى ، ثم جعل الله تعالى ذلك منه إقراضا له جل جلاله وأضافه إلى نفسه ؛ فتكون الفائدة في الإضافة إلى نفسه هي تفضيل عمله ؛ ليرغبه في مثل ذلك الفعل على جهة التكرم منه ، وهو كما سمى الثواب الذي يتفضل [ به ] على عباده أجرا بقوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ [ الجاثية : 15 ] ، ومن عمل لنفسه لم يستوجب الأجر على غيره ، وسمى الذي يقتل :
--> ( 1 ) في أ : عليه . ( 2 ) في أ : فرضيتها نزلت .