أبي منصور الماتريدي

296

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

شهيدا بائعا نفسه لله تعالى ؛ على تفضيل وترغيب للعباد « 1 » في مثله ؛ لقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ [ التوبة : 111 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ معناه : تجدوه حاصلا لكم ، وإلا فكل شيء تقدمونه من خير أو شر تجدونه حاضرا في ذلك اليوم ، ولكن الشر يكون عليهم ، قال الله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] ، وقال - عزّ وجل - : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] . وقوله - عزّ وجل - : هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ، وفي حق الكلام أن يقول : « هو خير » ؛ لأن « هو » يرفع ما بعده ، ولكن « هو » كالفصل هاهنا ، وحقه الحذف ، وإذا حذف انتصب الكلام ؛ لأن معناه « 2 » : تجدونه عند الله خيرا لكم مما خلفتم ، فيكون « خيرا » مفعولا . ثم قوله - عزّ وجل - : هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً يحتمل أوجها : أحدها : أنه خير لكم ، وأعظم أجرا مما خلفتم لورثتكم ؛ فيكون فيه أن الذي يخلفه لورثته له فيه خير ، ولكن ما يقدم لآخرته خير له ، والذي يدل على أن له فيما يخلفه لورثته خيرا قوله - عليه السلام - : « إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس » . والثاني : أن المرء في الشاهد قد تسخو نفسه ببذل [ الأموال ] للآجلة الآجلة لما يأمل منهم من المال الثواب العاجل ، فيكون في قوله : هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ترغيب للعباد في تقديم الأموال لوجه الله تعالى ؛ لأنهم إذا رغبت أنفسهم في بذل الأموال للآجلة ؛ طمعا للمنافع التي تحصل لهم ؛ فكان بذل المال لوجه الله تعالى أعظم في الأجر ، وأولى أن يقع فيه الرغبة . ولأن النفس قد تتحمل المكروه في الشاهد لمنافع تأملها في ثاني الحال ، فإذا طمعت لما تبذل لوجه الله تعالى الثواب الجزيل والأجر العظيم خف عليها تحمل المكروه ، والذي يناله بالبذل . ويجوز أن يكون قوله - عزّ وجل - : وَأَعْظَمَ بمعنى : عظيم ؛ إذ قد يستعمل حرف « أفعل » في موضع « فعيل » ؛ كما يقال « أكبر » « 3 » بمعنى : « كبير » ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في ب : العباد . ( 2 ) زاد في أ ، ب : أن الذي . ( 3 ) في ب : لكن .