أبي منصور الماتريدي
282
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وجواب آخر : أن يقال بأن الحجة في القتال ليس في القتل ؛ لأنهم إذا خافوا القتال ، تركوا التكذيب ، وأقبلوا على الداعي ؛ ألا ترى أنه ذكر أن القوم قبل أن يفرض عليهم القتال ، كان يدخل الواحد منهم بعد الواحد في هذا الدين ؛ فلما شرع القتال ، جعلوا يدخلون فيه فوجا فوجا ، وقبيلة قبيلة . ثم إباحة القتل يكون بالضرورة ؛ لأنهم إذا علموا [ أنهم ] لا يقتلون ، لم يقع لهم الخوف بالقتال ، وإذا لم يخافوا تركوا الإجابة ؛ فشرع القتل فيه ؛ لتحقيق الخوف ؛ فلم يكن فيه ترك الرحمة ، وهو كقوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 179 ] ، وفي إقامة القصاص تلف النفس ، وليس فيه إحياء ، ولكن وجه الإحياء فيه : هو أن القاتل إذا فكر [ في ] قتل نفسه بقتل صاحبه ، ردعه ذلك عن القتل ؛ فيكون فيه إحياء النفسين جميعا ؛ فيصير إيجاب القصاص سببا للإحياء في الحقيقة ، وإن كان في الظاهر سببا للإتلاف ؛ فكذلك هؤلاء إذا أيقنوا بالقتل بامتناعهم عن الإجابة ، تركوا الامتناع ، وأقبلوا على الإجابة ؛ فيكون موضوع القتل للرحمة في التحقيق ، وإن كان في الظاهر خارجا مخرج ترك الرحمة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ففيه أن أهل الخصب والرغد هم الذين اشتغلوا بالتكذيب ، وهم الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل الله « 1 » ؛ كما قال : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها [ الأنعام : 123 ] ، وقال : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها [ سبأ : 34 ] ؛ فخص أولي « 2 » النعمة بالذكر لهذا . ثم في قوله : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ إيهام بأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم سبق منه المنع ، ولم يوجد من رسول الله حيلولة ومنع ، ولكن مثل هذا الخطاب موجود في كتاب الله تعالى في غير آي من كتابه ، وهو أن يخرج مخرجا يوهم أن هناك مقدمة ، وإن لم يكن فيها مقدمة في التحقيق ؛ قال الله تعالى : وَالسَّماءَ رَفَعَها [ الرحمن 7 ] ، ولم يكن فيه تحقيق الوضع ، وإن كان الرفع يستعمل في الشيء الموضوع ؛ فكان تأويل الرفع هاهنا بأنها خلقت مرفوعة . وقال : وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ [ الرحمن : 10 ] ، ولم تكن مرفوعة فوضعها ، وكان معناه : أنها خلقت موضوعة . وقال يوسف - عليه السلام - : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ يوسف : 37 ] ، ولم يسبق منه دخول في دين أولئك ؛ فيكون تاركا له بعد ما دخل فيه . وقال الله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
--> ( 1 ) في ب : سبيل الهدى . ( 2 ) في ب : أهل .