أبي منصور الماتريدي
274
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيه بعض التخفيف . فإن قيل على التأويل [ الأول ] « 1 » : كيف خص رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في باب النكاح ؛ حيث أبيح له فضل العدد ، ولم يبح لأمته ، وفي ذلك زيادة تمتع بشهوات الدنيا ؟ فجوابه أن يقال : بأن المعنى الذي به حظر على غيره الزيادة على الأربع ، وقصر الأمر على الأربع هو خوف الجور ؛ ألا ترى إلى قوله - عزّ وجل - : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [ النساء : 3 ] ، وإذا كان التحريم للوجه الذي ذكرنا ، ارتفع الحظر عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأن الله - عزّ وجل - عصمه عن الجور ، ومكنه من العدل بين نسائه ، ثم ليس في إباحة زيادة العدد سوى فضل محنة وكلفة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم [ لأنه إذا أمر أن يقوم فيما بينهن بالعدل ، وأن يبتغي مرضاتهن بحسن العشرة معهن ، وإنما يصل المرء إلى الإرضاء بالأموال ، ولم يتمتع هو من الدنيا مقدار ما يصل إلى إرضائهن بالأموال ، ولم يتهيأ له أن يصيبهن إلا بسعة الأخلاق ، وأن يبين « 2 » لهن لتقر أعينهن ولا يحزن - فثبت أنه ليس في إباحة العدد فضل تمتع ، بل فيه زيادة محنة وابتلاء . وفيه أيضا ما يحقق رسالته ، ويثبت نبوته ؛ لأن المرء إنما يصل إلى توفير الحقوق الواجبة عليه بالنكاح إذا تناول من فضول الدنيا وطعم لذاتها ، وأعطى النفس شهواتها ، ثم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان ممنوعا من إعطائه النفس شهواتها ، ومع ذلك قام بإيفاء حقوق الأزواج ؛ فثبت أنه باللطف من الله تعالى وصل إلى إيفاء حقهن ، ليس بأسباب البشرية . وفي هذه الآية دلالة أن الصلاة تشتمل على الذكر والفعل جميعا ؛ لأنه قال : أشد على البدن ، وشدته تكون بالفعل ، وقال : وَأَقْوَمُ قِيلًا ، وذلك يرجع إلى الذكر . ثم يجوز أن يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يكلف تبليغ الرسالة بالليالي ؛ لأن أعداءه من الفراعنة وغيرهم كانت همتهم أن يقتلوه ويمكروا [ به ] ، ولم يكن يتهيأ لهم إيصال الأذى به ؛ لمكان أتباعه ، والليالي هي أوقات غفلة الأتباع ، [ فلو ] كلف التبليغ فيها لتمكنوا من إيصال المكر به ؛ فوضع عنه التبليغ ، وامتحنه بالقيام لعبادة ربه . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ قيل : هو من نشأ ينشأ ، أي : نما ، فسميت : ناشئة ؛ لأن الأوقات تحدث ، وتترادف . وجائز أن يكون المراد من ناشئة الليل ، أي : ما يوجد من الأحوال في الليل من القيام للصلاة ، والاشتغال بعبادة الرب ، جل جلاله .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ ، ب : بيتن .