أبي منصور الماتريدي

275

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَأَقْوَمُ قِيلًا ، أي : أصوب كلاما ، والأقوم : هو المبالغة في الوصف بما أريد بالقيام ؛ فإن أريد به الكلام ، فحقه أن نصرفه إلى الصدق ؛ إذ الأقوم من الأخبار أصدقها ، وإن أريد به القيام بقاء ما يقتضيه لك الكلام فمعنى قوله أَقْوَمُ ، أي : أبلغ في وفاء ما يوجبه القول ، وإن أريد [ به ] القراءة نفسها فهو بالليالي أقوم قراءة . [ و ] قوله - عزّ وجل - : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا : أي : فراغا وسعة ومنقلبا ؛ فالسبح يذكر ويراد به الفراغ ، ويذكر ويراد به المشي والتقلب ، وهذا الذي قالوه محتمل ، ولكن لا يجيء أن يصرف تأويل الآية إلى الفراغ ، والتقلب إلى حوائج نفسه ؛ لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يتناول من الدنيا إلا قدر ما يقيم به مهجته ؛ فلا يحتاج إلى فضل تقلب ، ولا إلى كثير فراغ ؛ ليتوسع في أمر دنياه . ولكن حقه أن يصرف قلبه إلى تبليغ الرسالة ، ودعاء الخلق إلى توحيد الله تعالى ، وإلى ما يحق عليهم ؛ فيكون في قوله : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ترخيص لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في أن ينصب بالليالي للقيام بين يديه ، واجتزأ منه بتبليغ الرسالة بالنهار . وقوله - عزّ وجل - : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ : أي : اذكر ربك ؛ دليله قوله على أثره : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ، والتبتل يقع إليه لا إلى اسمه ، ثم ذكر المولى - جل جلاله - هو أن ينظر إلى أحوال نفسه ، ما الذي يلزمه من العبادة في تلك الحال ؟ فيكون ذكر ربه بإقامة تلك العبادة ، لا بأن يذكر الله تعالى بلسانه فقط ، وهو كقوله : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] ، واستغفارهم أن يأتمروا بما أمروا ، وينتهوا عما نهوا ، لا أن يقولوا بألسنتهم : « نستغفر الله » ؛ لأنهم وإن قالوا « نستغفر الله » ، لم يقبل ذلك منهم إذا كانوا كفرة ؛ فثبت أن استغفارهم أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه نوح ؛ فكذلك ذكر الله تعالى يقع بوفاء ما يلزمهم حالة القيام به ، وذلك يكون بالأفعال مرة ، وبالأقوال ثانيا . ومنهم من صرف الأمر إلى الاسم على ما يؤديه ظاهر اللفظ ، فأمر بذكر اسم الرب لما يحصل له من الفوائد بذكره ؛ لأن من أسمائه أسماء ترغبه في اكتساب الخيرات ] « 1 » والإقبال على [ عبادة الرب ] « 2 » ، ومنها ما يدعو الذاكر إلى الخوف والرهبة ، ومنها ما يوقفه على عجائب حكمته ، ولطيف تدبيره ، وتقرير سلطانه وعظمته في قلبه ، ومنها ما يحدث له زيادة علم وبصيرة ، وهي الأسماء المشتقة من الأفعال ، فإذا تأمل فيها عرف الوجه الذي

--> ( 1 ) من أول قوله : « لأنه إذا أمر » إلى هنا بياض في ب . ( 2 ) في أ : العبادة .