أبي منصور الماتريدي
265
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثاني : ما أمكن الخلق معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر ، بدون معرفة السمع والأثر ، نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته . والثالث : هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه ، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر يرد ، بقوله : فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ في هذا ، وهو الذي مكنوا منه « 1 » ، لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر ، وذلك نحو الأشياء التي ترجع إلى مصالح الخلق « 2 » والتي توصل إلى مصالح الأغذية فيما « 3 » ظهر بين الخلق ، ولكنها لا تعرف إلا بالسماع ، ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم ، وهو بحيث لا يحتمل إدراكه بالنظر ؛ فبين أن ذلك بالرسول ، ومتى وجد ذلك من شخص مشار إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة . ثم ذكر بعضهم : أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجمة ، وليس كذلك ؛ لأن فيهم من يصدق خبره ، ويعرف المطالع ، والمغارب ، والمشارق ، والكواكب التي بها يتوالد الخلق ، والتي يقع عندها التغير والتبدل ، وذلك مما لا يقف على علمه بالتأمل والتدبر . وكذلك المتطبعة : منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا ، وهذا يصلح لكذا ، فيقع به المصالح للخلق ، ومعلوم أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل والنظر ؛ فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره ، وبقي علمه في الخلق ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ، أي : اختاره واصطفاه ، والأصل أن الرسالة تلزم الخلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم ؛ لقوله « 4 » : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ النساء : 65 ] ، وبالإصابة في كل أمر فيما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر ؛ فهو لا يختصه للرسالة ، وفي الاختصاص نعمة عظيمة على الخلق ؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما يبلغهم إليه الحاجة في أمر معاشهم ومعادهم [ ودينهم ودنياهم ] « 5 » . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً . قيل : رصدا من بين يدي الرسول ، ومن خلفه من الملائكة ؛ ليمنع الإنس عن الرسل في منعهم الرسل عن التبليغ ؛ حتى يبلغوا ، ذكر هذا عن الحسن البصري رحمه الله .
--> ( 1 ) في أ : فيه . ( 2 ) في ب : العباد . ( 3 ) في ب : فما . ( 4 ) في ب : بقوله . ( 5 ) في ب : ودنياهم ودينهم .