أبي منصور الماتريدي

266

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وكذلك قال في قوله : إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] : إن إحاطته هي أن يعصمه من الناس من أن يصل إليه منع الناس إياه عن تبليغ الرسالة . ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا عن الجن عن استراق ما يوحى إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وعن تلقيه ؛ حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ إلى الخلق ، ويشتهر ذلك فيما بين الخلق أن الرسول هو الذي قام بتبليغه إلى الخلق ؛ لأنهم إذا لم يجعلوا رصدا ؛ أمكن الجن أن يسترقوه ويبلغوه ؛ فيأتوا بلدة لم ينتشر « 1 » عندهم علم ذلك من جهة الرسول ؛ فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل أن يبلغهم الرسول ، فإذا بلغ الرسول من بعد ، التبس الأمر على الذين ظهر فيهم العلم من جهة الجن ؛ فجعل عليهم رصدا ؛ [ حتى ] « 2 » ينتشر علم ذلك من جهة الرسول ؛ فترتفع الشبه . أو يكون الرصد لمنع الجن الذين سمعوا من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن يبلغوا قومهم من الجن ؛ حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . وقال بعضهم « 3 » : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً : إن الملائكة كانوا يرصدون النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فإذا جاءه الملك ، قالوا : هذا وحي من الله تعالى ، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به . ولكن هذا بعيد ؛ لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبريل عليه السلام . وقال بعضهم « 4 » : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ، أي : من بين يدي من يبلغ الرسالة إلى الرسول ، وهو الملك الذي ينزل بالوحي ، جعل بين يديه ومن خلفه ملائكة يرصدونه ؛ كيلا يستلب الشيطان عنه « 5 » ، ويحدث فيه حدثا من التغيير والتبديل ؛ ليعلم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه إنما يبلغ إليه رسالات ربه . وهذا بعيد أيضا ؛ لأن للمبلغ [ من القوة ] « 6 » ما يدفع أذى الجن عن نفسه ، وهو أمين لا يخاف منه التغيير والتبديل حتى يجعل عليه الرصد ؛ فيؤمن من تبديله ؛ ألا ترى إلى قوله - عزّ وجل - : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير : 20 ، 21 ] ، فوصفه الله تعالى بالقوة والأمانة جميعا . لكنه جائز أن يكون المبلغ ممتحنا بالتبليغ ، والذين معه من الرصد امتحنوا بأمور أخر ،

--> ( 1 ) في أ : يتيسر . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) قاله الضحاك أخرجه ابن جرير عنه ( 35155 ) . ( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 35164 ) وله طرق أخرى ذكرها السيوطي في الدر المنثور ( 6 / 438 ) . ( 5 ) كذا في أ . ( 6 ) في أ : بالقوة .