أبي منصور الماتريدي

249

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

حكاية عن الجن ؛ نحو قوله : فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ، وما كان فيه من الحكاية لا عن الجن ، فحقه أن يقرأ بالنصب ؛ فاختاروا النصب في قوله - عزّ وجل - وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ ؛ لما ليس هو بحكاية عن قول الجن ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً . جائز أن يكون لمسهم السماء : ليجدوا أبوابها ؛ فيدخلوا فيها للاستماع ؛ إذ أخبارها ليست في جملة آفاق السماء ، ولا أبوابها محيطة بجملة السماء ، فكانوا يلمسونها ؛ ليظفروا بأبوابها فيدخلوا فيها . وجائز « 1 » أن يكون أريد من لمس السماء : لمس أبوابها ؛ فكانوا يلمسون أبوابها ؛ ليفتحوها ؛ فيدخلوا فيها ؛ [ فيستمعوا إلى ] « 2 » الأخبار . وقوله - عزّ وجل - : فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً جائز أن يكون بعض الأبواب ملئت من الحرس ، وبعضها من الشهب ؛ فإن أتوا [ إلى الأبواب ] « 3 » التي ملئت من الحرس دفعتهم الحرس ، وطردتهم ، وإن أتوا إلى الأبواب التي فيها الشهب ، تبعتهم الشهب ؛ كما قال - عزّ وجل - : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً [ الصافات : 8 ، 9 ] . وجائز أن تكون الأبواب كلها مملوءة من الحرس والشهب جميعا ؛ لأن الحرس لم يمتحنوا بالحراسة خاصة ؛ بل امتحنوا بها وبغيرها من الأعمال ؛ فجائز أن يكون اشتغالهم بتلك الأعمال يمنعهم عن الحرس ؛ فإذا رأوا استراق السمع في وقت شغلهم ، تبعهم الشهاب الثاقب ، وقذفهم عن مرادهم . وجائز أن يصعد الجن إلى المكان الذي لا يراهم الملائكة ، ويسمع الجن كلامهم ؛ لأن المرء قد يتكلم بكلام فينتهي صوته إلى حيث لا يراه البصر ، فتكون الشهب تحت الحرس ؛ فيقذفون عنها بالشهب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً . قيل : الشهاب من الكواكب ، والرصد من الملائكة . الأصل في ذلك أن الجن قد حبسوا « 4 » وقت مبعث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن خبر السماء ،

--> ( 1 ) في ب : فجائز . ( 2 ) في ب : فيستمعون فيها . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : حسبوا .