أبي منصور الماتريدي

250

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وكانوا يسترقون السمع قبل ذلك حتى انقطع أمر الكهنة ؛ إذ لا يجوز أن يأتوا بخبر السماء وقت مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى كان يختلط أمر الكهنة بأمره عليه السلام ؛ فحبسوا عن الصعود إلى السماء وإتيان الخبر عنها ؛ حتى انقطع أمر الكهنة ، فجاءهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد ذلك ؛ ليعلموا أن ذلك ليس بكهانة ، وإنما هو وحي يأتيه من السماء ؛ إذ لو كان كهانة كان غيره لا يمنع عن مثله ، كما في سالف الزمان ؛ فهذه الآية كأنها « 1 » حكاية عن قول الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين قالوا هذا كله لقومهم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً فهو يحتمل وجهين : أحدهما : لا ندري بما قطعت بالحرس والشهب أخبار السماء عن أهل الأرض ، وحبس الذين يصعدون السماء عن أخبار السماء ، ويقذفون من كل جانب ، أريد بأهل الأرض الشر ، وهو إنزال العذاب عليهم ، أو أريد بهم أن يرسل إليهم رسول يرشدهم . وجائز أن يكونوا أيقنوا أن أخبار السماء إنما انقطعت عن أهل الأرض بما يرسل إليهم من الرسول ؛ فيكون الرسول هو الذي يخبرهم بما لهم إليه من حاجة ، ولكنهم لم يدروا أنه أريد بهم الرشد بإرسال الرسول أو الشر ؛ لأنهم كانوا علموا أن من آمن بالرسول المبعوث ، ونظر إليه بعين الاستهداء والإرشاد فقد رشد ، ومن نظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء استؤصل ؛ فلم يدروا أيكذبون الرسول ؛ فيحل بهم الهلاك في العاقبة ، أو يصدقونه فيرشدوا به ؟ وهذا يبين أن العواقب في الأشياء هي « 2 » المقصودة ، وأن الحكيم ما يفعل من الأمر يفعله للعواقب ، وفي هذا إبانة أن الجن من المسلمين لم يكونوا معتزلة ؛ إذ من قول المعتزلة : أن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين والدنيا في حقهم ، والجن قد أيقنوا أن الله تعالى قد يريد الشر بمن يعلم أنه يؤثر فعل الشر على فعل الخير ، ويريد الخير بمن يعلم أنه يؤثره على فعل الشر . قوله تعالى : [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 11 إلى 19 ] وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً ( 11 ) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ( 12 ) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً ( 13 ) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 ) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ( 17 ) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 )

--> ( 1 ) في ب : كأنه . ( 2 ) في ب : هو .