أبي منصور الماتريدي

242

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إليهم ؛ فيضلون بها الخلق ، فلو لم يمنعوا عن السماء لكانوا لا ينقطعون ، ومن ادعى الكهانة اليوم فلا تجد عنده خبرا حادثا سوى ما تلقفوه من ألسن الرسل عليهم السلام ، وكان أمر الشهاب أمرا ظاهرا ، عرفته الكفرة فيما بينهم ؛ فكانت « 1 » هذه حجة سماوية لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مقررة عند الكفرة رسالته ؛ إذ لم يدع أحد منهم بكون الشهاب قبل أن يبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فصار انقطاع الكهنة دليلا على صدقه في مقالته ، والله المستعان . وقوله - عزّ وجل - : يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ . أي : إلى الحق ، على ما ذكرنا بيانه في سورة الأحقاف في قوله - عزّ وجل - : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأحقاف : 30 ] . وقوله - عزّ وجل - : لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً . قال أبو بكر الأصم : إنهم كانوا من مشركي العرب ، فتبرءوا من الشرك لما « 2 » استمعوا وسمعوا [ من ] « 3 » القرآن بقولهم : وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ، وقد يحتمل هذا الذي قالوا . ويحتمل أنه لم يسبق منهم الإشراك ؛ بل كانوا من جملة الموحدين ، ولكنهم أحدثوا إيمانا بما سمعوا من القرآن ، وأحدثوا تبرؤا من الشرك ، وقد يتبرأ المرء من الشرك عندما يحدث له زيادة إيقان وإن لم يسبق منه الإشراك ؛ كما قال موسى - عليه السلام - : قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ الأعراف : 143 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا . اختلف في تأويل الجد : فمنهم من يقول بأن هذه الكلمة يتكلم بها فيمن يظفر بكل ما يريده ، فيوصف بأنه ذو جد ، [ فجائز ] « 4 » أن يكونوا أرادوا بهذا أن ربنا هو الظافر بكل ما يريده ، فلا يستقبله خلاف ، ولا تمسه حاجة ، وعلى هذا التأويل قوله : « ولا ينفع ذا الجد منك الجد » أي : من كان له الجد في الدنيا ، فإذا كان في تقدير الله تعالى على خلاف ذلك ، لم يغنه « 5 » ذلك من عذاب الله شيئا . فإن كان هذا هو المراد ، فمعناه : أن من هذا وصفه يتعالى عن أن يكون له شريك ، أو

--> ( 1 ) في ب : وكانت . ( 2 ) في أ : بما . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في أ : ينفعه .