أبي منصور الماتريدي
243
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يحتاج إلى صاحبة ، أو إلى اتخاذ ولد ؛ لأن هذه الأشياء كلها أمارات الحاجة ، ومن ظفر بكل ما يريده لم تقع [ له ] حاجة . وجائز أن يكون الجد صلة ، ومعناه : تعالى ربنا . وجائز أن يكون الجد عبارة عن العظمة والرفعة ؛ يقال : « فلان جد في قومه » : إذا عظم وشرف فيهم . وقال الحسن : تَعالى جَدُّ رَبِّنا ، أي : غنى ربنا « 1 » ؛ ألا ترى كيف ذكر الله تعالى عندما نزه نفسه عن اتخاذ الأولاد بقوله : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ [ يونس : 68 ] ، وقد ذكر اتخاذ الولد هاهنا على أثر قوله - عزّ وجل - : جَدُّ رَبِّنا . ومنهم من يقول تأويله : ملك ربنا . وجائز أن يكون أريد به : قوة ربنا ، فتعالى ربنا عن كل ما لو نسب إليه كان فيه [ نسبته ] إلى فعل الرذالة والتسفل . ثم الحق ألا يتكلف تفسير قوله : جَدُّ رَبِّنا هاهنا ؛ لأنه حكاية عن مقالة الجن ، فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بإخبار الجن . ثم الشرك فيما جرى به الكتاب على أوجه أربعة : مرة على العبادة بقوله - عزّ وجل - : وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] . وشرك في الخلق بقوله - عزّ وجل - : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [ الرعد : 16 ] . وشرك في الحكم بقوله تعالى : وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [ الكهف : 26 ] . وشرك في الملك بقوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [ الإسراء : 111 ] فثبت أن الشرك يقع مرة في العبادة ، ومرة في الخلق ، ومرة في الملك ، ومرة في الحكم ؛ فهو بقولهم : وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً تبرءوا عن الشرك من هذه الأوجه الأربعة . ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده « 2 » ، ففيه ما ينقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يزعمون أن الله تعالى أراد من كل كافر الإيمان ، فإذا لم يؤمنوا ، فهو غير ظافر بما يريد على قولهم . ويدخل عليهم النقض من وجه آخر ، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في الخلق ، وهم ينفون خلق الأفعال عن الله تعالى ، وإذا نفوا ذلك ، فقد جعلوا له في الخلق شركاء ، وقد أخبر - عزّ وجل - أنه هو المتفرد بخلق الخلائق ؛ فثبت أن الأفعال من حيث الخلق
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 35057 ، 35059 ) ، وعبد بن حميد ، كما في الدر المنثور ( 6 / 430 ) . ( 2 ) في ب : يريد .