أبي منصور الماتريدي

236

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إضلال بني آدم ، ثم لم يستأصلوا ولم يهلكوا ، بل أبقوا إلى الوقت المعلوم . ولكن يجوز أن يكون دعا عليهم ، بعد أن « 1 » أذن له بالدعاء عليهم بالهلاك والبوار ؛ فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الإذن . والأصل : أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام ، [ وكانوا في دعائهم ] « 2 » راجين الإسلام منهم ، خائفين عليهم بدوامهم على الكفر ، فلما قيل لنوح « 3 » - عليه السلام - : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 36 ] - وقع له الإياس عن إسلام من تخلف عن الإيمان ، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام ، فجائز أن يرد له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك ، فيدعو إذ ذاك . ثم يكون قوله : إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ خارجا مخرج الإشفاق والرحمة على من معه من المؤمنين ، وهو أن الذين داموا على الكفر لو أبقوا ، خيف منهم أن يضلوا المؤمنين ويغيروهم إلى ملتهم ؛ فتكون شفقته على المسلمين داعية له على الدعاء بالهلاك على الكفرة ؛ لئلا يتوصلوا إلى الإضلال . وقوله - عزّ وجل - : وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً وقت بلوغهم المحنة والابتلاء ، فحينئذ يوجد منهم الفجور ، لا أن يلدوا فجارا كفارا ؛ إذ لا صنع لهم في ذلك الوقت ، وهو كقوله : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ [ الإنسان : 2 ] أي : نبتليه لوقت بلوغه المحنة والابتلاء ، لا أن يبتلى وقت ما يشاء . وفي هذه الآية دلالة « 4 » أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور ؛ لأنه [ لو خرج ] « 5 » قوله : كَفَّاراً مخرج التفسير لقوله : فاجِراً « 6 » استقام أن يحمل تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 14 ] على الكفرة . وقوله - عزّ وجل - : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً هكذا الواجب على المرء في الدعاء والاستغفار أن يبدأ بنفسه ، ثم بوالديه ، ثم بالمؤمنين . ثم قوله : بَيْتِيَ قال بعضهم : أي : في سفينتي . وقال بعضهم : ( في بيتي ) أي : في ديني ؛ فيكون البيت كناية عن الدين .

--> ( 1 ) زاد في ب : يكون . ( 2 ) في ب : فكانوا بدعائهم . ( 3 ) في أ : فيما قبل نوح . ( 4 ) في ب : دليل . ( 5 ) في ب : أخرج . ( 6 ) زاد في ب : لذلك .