أبي منصور الماتريدي
22
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ . يعني : وإن يقولوا تحسب قولهم حقّا ؛ فتسمع لقولهم لتقبله . ويحتمل « 1 » : تسمع لقولهم لما يعجبك قولهم ، أو تسمع لقولهم على ما كانت عادته - عليه السلام - في كل من كلمه أنه لا يغير عليه ولا يقطع عليه كلامه حتى يفرغ منه ، ثم قبله إن كان مما يجب قبوله ، وغيره على صاحبه ورده إن كان مستحقّا للتغيير عليه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ . يقول : إنهم فيما يكون من جانبهم وناحيتهم من حسن الصورة والبيان بحيث يعجبك ، وفيما يلقى إليهم من الحق والدين والحكمة كأنهم خشب مسندة لا ينجع فيهم الحق ولا يقبلونه كالخشب المسندة . ويحتمل هذا تمثيلا بالخشب ؛ من حيث إن الخشب المسندة في الظاهر هي الخشب اليابسة التي لا أجواف لها فيوضع فيها شيء ، فكذلك المنافقون كأنهم لا أجواف لهم يوضع فيها الحكمة والدين والحق ، والله أعلم . وجائز أن يكون معناه : كأنهم خشب مسندة ؛ من حيث إن الخشب المسندة ، ليس لها أسماع ولا أبصار ولا قلوب ، فكذلك المنافقون كأنهم بكم عمي في ناحية الحق وقبوله ، والله المستعان . وقوله - عزّ وجل - : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ، يحتمل وجهين : أحدهما : يحسبون كل صيحة سمعوها كلمة تهتك عليهم سرهم [ و ] تفضحهم ؛ ألا ترى إلى قوله : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [ التوبة : 64 ] ، فأخبر أنهم كانوا يحسبون فضيحتهم وهتك أستارهم والاطلاع على ما في قلوبهم ، فكذلك يحسبون أن من كلم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فإنما تكلم بما يهتك عليهم أستارهم ويفضحهم ، والله المستعان . والثاني : يحتمل أن يكون ذلك في الحرب : أنهم كلما سمعوا صيحة في الحرب خافوا أن يكون فيه هلاكهم ، وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل فريق على حدة ، وإذا وافقوا هذا الفريق صاروا حربا للفريق الآخر ، وإذا وافقوا الآخر صاروا حربا لهؤلاء ، فأخبر الله تعالى أنهم يحسبون من كل صيحة سمعوها أن يكون ذلك سببا لهلاكهم . ويحتمل أن يكون الله تعالى عاقبهم بالخوف الدائم ؛ لتأميلهم الأمن من وجه لم يؤذنوا فيه ؛ وذلك لما وصفنا أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكلّ ؛ رجاء أمنهم ، وكان جميع مقاصدهم في ذلك تحصيل منافع الدنيا دون الديانة بدين من الأديان ، وذلك غير مأذون
--> ( 1 ) زاد في أ : أو .