أبي منصور الماتريدي
23
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيه ، فلما آثروا ذلك واختاروه من غير أن يؤذن لهم ، عاقبهم بالخوف الدائم إما من الافتضاح والاطلاع على ما في قلوبهم أو من الهلاك ، والله أعلم . وقوله : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ، له أوجه من التأويل : أحدها : أن يقول : هم العدو ، يعني : أنهم أدنى عدوكم ؛ فاحذرهم في جميع أحوالهم في المطعم والمشرب وغيره ؛ لأن الحذر عمن قرب من الأعداء ودنا أوجب ممن بعد ونأي . أو احذرهم أن تطلعهم على سر فيما تراه وتضمره من الجهاد والحرب ؛ فيحتالون به على هلاكك ، أو يطلعون الكفرة على سرك . أو احذرهم أن تقبل منهم قولا يقولونه عن أصحابك ؛ لأنهم يغرون أصحابك عليك ، فاحذرهم أن تقبل قولهم على أصحابك . وقوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ يعني : لعنهم . وقوله : أَنَّى يُؤْفَكُونَ ، له تأويلان : أحدهما : أن يقول : أي سبب يمنعهم عن الإيمان بك وطاعتك ، وقد أتيتهم بالآيات والحجج في اطلاعك على سرائرهم ، وذلك لا يكون إلا عن الوحي . أو يقول : أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني : أنى يكذبون ؛ تقليدا لأولئك الكفرة من غير أن يظهر لهم في ذلك آية وحجة ، ولا يقلدون البرهان والحجة فيتبعونك ، والله أعلم . وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ . ظاهر هذه الآية أن هذا القول منه إنما كان لجملة المنافقين ، وكذلك قوله تعالى : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . وروى في الخبر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق ؛ لأنه روي أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان كلما قام يوم الجمعة قام عبد الله بن أبيّ [ ابن ] سلول في ناحية المسجد ، وقال : هذا رسول الله ، فوقروه ، وعظموه ، حتى نزلت هذه السورة ، فقال بمثل مقالته ، فقال له عمر - رضي الله عنه - : « اجلس يا كافر ؛ فإن الله تعالى قد فضحك » ، قال : فخرج من المسجد قبل أن يصلي الجمعة ، فاستقبله بعض القوم فسألوه عن خروجه من المسجد قبل أداء الجمعة ، فأخبرهم عن القصة ، فقالوا : ارجع إلى رسول الله وسله أن يستغفر لك ، فلوى رأسه وقال : ما لي إلى استغفاره حاجة « 1 » . وروي أنه لما قال : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، ثم أراد دخول المدينة من بعد هذه المقالة ، فحبسه ابنه وقال : لا أدعك تدخلها ما لم تقر أنك الأذل وأن
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل عن الزهري مرسلا كما في الدر المنثور ( 6 / 337 ) .