أبي منصور الماتريدي
216
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لاه ] « 1 » ؛ كقوله - عزّ وجل - : إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [ محمد : 36 ] ، أي : من يعمل في الحياة الدنيا للدنيا لا للآخرة فهو لاعب لاه ، وكأن هذه الآية صلة قوله تعالى : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ الآية ، أمره بألا يشتغل بأولئك ويقبل على من يرجو منهم الإيمان . أو أمره بألا يشتغل بمكافأتهم بسوء صنيعهم ؛ فإن الله سينصره عليهم ويكافئه عنهم . وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ قد « 2 » لاقوا ذلك اليوم وهو يوم بدر ، وسيلاقون اليوم الثاني وهو يوم الآخرة . وقوله تعالى : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً يخبر أنهم يخرجون من الأجداث ، وهي القبور سراعا إلى الداعي ، والذي يحملهم على الإسراع هو أن أنفسهم أبت إجابة الداعي في الدنيا ؛ فنزل بهم الهلاك بتركهم الإجابة ، فيسارعون في ذلك اليوم إلى إجابة الداعي ؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب الذي حق عليهم بترك الإجابة ، وذلك لا ينفعهم وإن وجدت منهم التوبة والرجوع عن تلك الإجابة ؛ لأن ذلك اليوم ليس بيوم ينفع فيه الندامة والتوبة ، وإنما هو يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت ؛ وهذا كقوله : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [ غافر : 84 ] فأخبر أنهم يفزعون إلى الإيمان بالله تعالى لما أيقنوا أنهم إنما حل بهم البأس بإعراضهم عن الإيمان ، ففزعوا عند إيقانهم بالعذاب إلى الإيمان ؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب ، فلم ينفعهم ذلك ولم يغنهم من « 3 » عذاب الله شيء ؛ إذ ذلك الوقت ليس بوقت قبول التوبة ، فيكون هذا تحريضا بالإسراع إلى إجابة الداعي والإيمان بما يدعو إليه قبل أن يؤمنوا إيمانا لا ينفعهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قرئ بنصب النون ، وجزم الصاد ، وهو اسم العلامة كالغرض وأشباهه . وقرئ بضم النون والصاد ، وهو اسم الصنم . فإن كان على العلامة ، فمعناه : أنهم يسارعون في ذلك الوقت إلى إجابة الداعي مسارعة من يسارع في هذه الدنيا إلى الغرض والعلامة المنصوبة ؛ كذا قاله بعض أهل التأويل . وذكر عن الكلبي إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ : إلى علم يسعون . وقال قتادة : إلى علم يستبقون « 4 » .
--> ( 1 ) في ب : تحمد فيه ، وهو لاعب فيه ، لاهي . ( 2 ) في ب : وقد . ( 3 ) في ب : عن . ( 4 ) أخرجه عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ( 34980 ، 34981 ) ، وابن المنذر بنحوه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 422 ) .