أبي منصور الماتريدي

217

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعن مجاهد : إلى علم ينطلقون « 1 » . فإن كان على الثاني ، فمعناه : أنهم يسرعون إلى إجابة الداعي في ذلك ؛ كسرعتهم إلى عبادة النصب عند خوفهم فوت عبادتها وعند اجتماع عبادها عندها لو يبتدرون « 2 » نصبهم حتى يستلموها . ومنهم من ذكر أن النصب برفع النون والصاد هي الأغراض التي يسبقون إليها ، ومن تأول هذا فهو يجعل النّصب هاهنا جمع النّصب . وقوله : يُوفِضُونَ أي : يسرعون . وقال الحسن : أي : يرملون ، وهما واحد ؛ لأن الإسراع في الرمل موجود . وقوله - عزّ وجل - : خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ : يحتمل أن يكون هذا على بصر الوجوه وصفة خشوعها [ على ] ما قال في آية أخرى : لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [ إبراهيم : 43 ] فيخشع خشوعا لا يملك صرف طرفه عن الداعي ، ففيه أن الذّلة قد أحاطت بهم حتى أثرت في الأعين والوجوه ، وفي كل عضو . وجائز أن يكون هذا على بصر القلوب ، وهو أن قلوبهم تشتغل بإجابة الداعي عن أن تبصر لنفسها حيلة تتخلص [ بها ] من أهوال ذلك اليوم وشدائده . وقوله - عزّ وجل - : تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ : أي : تعلوهم ، والذلة : الحالة في النفس تبدو وتظهر من الأبصار . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ . حقه أن يقول : هذا اليوم الذي كانوا يوعدون ؛ لأنه أضاف إلى اليوم الذي كانوا يوعدون « 3 » في الدنيا . ولكن معناه : كانوا يوعدون ذلك اليوم في الدنيا ، وذلك اليوم في الوقت الذي كانوا « 4 » يوعدون غير موجود ، فيعبر عنه بما يعبر به عن الغائب ، والله أعلم ، [ وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ] « 5 » . * * *

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 34979 ) ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر بنحوه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 422 ) . ( 2 ) في أ : بتبديل . ( 3 ) زاد في ب : به . ( 4 ) في ب : كان . ( 5 ) سقط في ب .