أبي منصور الماتريدي
215
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مكانهم من هو خير لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، والبدل لا يكون إلا بعد المبدل عنه ، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم ، أهلك المعاندين منهم ، وأبدل لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أولادهم والمهاجرين منهم والأنصار الذين آووا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ونصروه . والثاني : أي : كنا قادرين على أن نجعل المرسل إليهم خيرا منهم ؛ إذ قد علموا من قدرة الله عزّ وجل أنه هو الذي خلقهم وأنشأهم ، لكن إنما أرسل إليهم وأمرهم ؛ لحاجات أنفسهم ، لا لنفع يرجع إليه « 1 » ، ليس على ما عليه ملوك الدنيا ، لكنه إنما امتحنهم بالأمر ليسعوا في نجاة أنفسهم ، ونهاهم ؛ ليفكوا « 2 » رقابهم من النار ؛ فيكون فيه تسكين قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم عند وجده عليهم حيث لم يؤمنوا . وأما الوجه الثاني : أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل خاصة ؛ إذ قد يكنى بالقدرة عن الفعل إذ هي سبب الفعل ؛ كالأمر المعتاد بين الخلق يأمر رجل آخر بفعل فيقول : لا أستطيع ولا أقدر ، أي : لا أفعل ، وعلى هذا تأويل قوله - عزّ وجل - هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [ المائدة : 112 ] أي هل يفعل ذلك فعلى هذا تأويل هذا تأويل قوله - تعالى - : إِنَّا لَقادِرُونَ ، أي : لفاعلون ما هو خير لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بدلا عن هؤلاء . فإن كان على هذا فيكون فيه بشارة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه يجعل له أصحابا يرضاهم ، ويكون فيه إخبار الله - [ عزّ وجل ] - لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالنصر والغلبة على المكذبين منهم ، ويكون فيه إنباء لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه لا ينفذ فيه مكرهم وإن اجتهدوا ، ويكون فيه إعلام أنه ينتقم منهم له ويعذبهم ، وقد فعل ذلك [ كله ] « 3 » بحمد الله - عزّ وجل - والله المستعان ؛ حيث بدل من أهل مكة أهل المدينة ، وكانوا خيرا منهم ؛ لأن أهل مكة كانوا عليه ، وأهل المدينة كانوا له ، فكانوا هم خيرا . وقوله - عزّ وجل - : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . والمسبوق : المغلوب ، فكأنه قال : لا يسبقنا أحد ولا يعجزنا أحد عن ذلك ، ولا يفوتنا أحد فيما نريده . وقوله - عزّ وجل - : فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا قال أبو بكر : الخائض : المتحير ، واللاعب : الخاطئ ، فقوله : فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا أي : دعهم فيما هم [ فيه ] من خطاياهم وتحيرهم في دينهم ، فكل من اشتغل بما لا يحتاج « 4 » له فهو خائض لاعب ، وأصله أن كل أمر لا عاقبة له [ تحمد فهو فيه لاعب
--> ( 1 ) في ب : إليهم . ( 2 ) في أ : ليكفوا . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : يحتج .