أبي منصور الماتريدي

211

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وذكر عن أبي بكر الأصم أنه قال : في هذه [ الآية ] دلالة أن من وفى بهذه الأشياء التي ذكرها في هذه السورة من الإدامة على الصلاة ، وإيتاء الحق المعلوم ، والتصديق بيوم الدين . . . إلى آخر ما ذكر - فهو الذي يكرم بالجنة ، و « 1 » الخاطئ الذي يرجع عن خطيئته ويتوب عنها ، فأما غير هذين فهو لا يستوجب الإكرام بالجنة ، فما ذكر من الإكرام بالجنة للصنفين اللذين ذكرهما فهو كما ذكر ، وأما الصنف الثالث فهم الذين بلوا بالخطيئات من أهل الإيمان ولم يتوبوا عنها ، فقد يرجى لهم هذه الكرامة بعفو الله سبحانه وتعالى ، وكرمه وجوده ، ومن كان هذا وصفه لم يؤيس من إحسانه ، بل كان العفو منه مأمولا والإحسان منه مرجوّا . قوله تعالى : [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 36 إلى 44 ] فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ( 36 ) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ( 37 ) أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 44 ) وقوله - عزّ وجل - : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ . عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ اختلف في تأويل الإهطاع : فمنهم من يقول : هو الإسراع في المشي . ومنهم من يقول : هو إدامة النظر . فمن حمله على الإسراع ، فمعناه : أن أئمة الكفر كانوا يأتون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فيستمعون القرآن منه ، ثم يسرعون إلى أتباعهم ، ويجلسون حلقا حلقا ، ويحرفون ما يستمعون من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ويلبسون على ضعفائهم وأتباعهم ؛ ليصدهم ذلك عن الإيمان بالله - عزّ وجل - ورسوله . فإن كان الأمر على هذا فتأويله : ما لهم يسرعون إليك ليسمعوا كلامك ثم يتفرقوا عن اليمين وعن الشمال ويكذبونك ، نحو أن يقول بعضهم : ما هذا إلا سحر مبين « 2 » ، و : ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الأحقاف : 46 ] ، إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ « 3 » [ المؤمنون : 38 ] ، ونحو ذلك .

--> ( 1 ) في ب : أو . ( 2 ) في ب : مفترى . ( 3 ) في ب : إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ .