أبي منصور الماتريدي

192

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقيل « 1 » : هو العرق الذي إذا قطع مات صاحبه ، وهو عرق متصل بالظهر ، فكأنه قال : نعذبه عذابا لا بقاء له مع ذلك العذاب ، وهذا من أعظم آيات الرسالة في أنهم متى زلوا أخذوا على المكان ، ويكون فيه أمان الخلق « 2 » عن إحداث التغيير والتبديل من الرسل ؛ لأنهم لو غيّروا لعذبوا . ثم قوله - عزّ وجل - : مِنْهُ بِالْيَمِينِ فجائز أن يكون قوله : مِنْهُ زيادة في الكلام ، وحقه الإسقاط ، ويكون معناه : لأخذناه باليمين . وجائز أن يكون معناه : لأخذنا من تقوله وسحره وكهانته باليمين ، فإن كان على هذا فحقه الإثبات ، وليس بصلة زائدة . وقوله - عزّ وجل - : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ، ففي هذا يأس منه لأولئك الكفرة ؛ لأنهم كانوا يطمعون « 3 » من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم اتباعهم وموافقتهم على ملتهم ؛ فأخبر أنه لو أجابهم لقطع منه وتينه ، وأخذه أخذا لا يملكون منع ذلك عنه ، ولا دفعه ، ولم يكن أحد ينصره عند ذلك أو يحجزه عنا ، وهو كقوله - تعالى - وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . . . إلى قوله : إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [ الإسراء : 73 - 75 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ، فالمتقون : الموحّدون ، فسمّاهم مرة : متقين ، ومرة : صابرين شاكرين ؛ كقوله - عزّ وجل - إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ إبراهيم : 5 ] وهو تذكرة ؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد ، وما يتقى وما يؤتى ، وغير ذلك « 4 » ، فهو تذكرة ، يعني : القرآن . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ أي : بآياتي ورسلي ، ثم نمهلكم ، فهو صلة قوله : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ فبيّن أنه مع كذبهم بآياته ورسله يمهلهم ، ولا يعجل عليهم بالعقوبة ، ولو وجد التقول « 5 » من الرسول ، لكان يستأصله ، ويقطع وتينه ، فهو على ما ذكرنا : أن عذابه على خواص عباده أسرع وقوعا إذا خالفوا منه بأعدائه . وجائز أن يكون قوله : وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ هم المنافقون ؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بألسنتهم ، ويخالفونه ويكذبونه بقلوبهم ؛ فيكون هذا التأويل

--> ( 1 ) قاله الضحاك بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 34842 ) . ( 2 ) في ب : الخالق . ( 3 ) في أ : يعلمون . ( 4 ) زاد في ب : فهو تذكرة ؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد . ( 5 ) في أ : المنقول .