أبي منصور الماتريدي
189
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي : الذي تسمعونه منه تسمعون من رسول كريم ، ثم ذكر - هاهنا - أنه قول رسول كريم ، وقال في موضع آخر : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] فذكر - هاهنا - : كلام الله ، وذكر في الآية [ الأولى ] « 1 » : أنه قول رسول كريم ، فأما ما أضيف إلى الرسول فهو من حيث بلوغنا إليه من جهة الرسول ، لا بأمر غيره وصلنا إليه ، وأضيف إلى الله - تعالى - لأن مجيئه وبدأه من عنده ، وأضيف إلى الرسول ؛ لأن ظهوره في حقنا كان به ، وهذا كما أضيف ما وعاه القلب إلى الأذن بقوله : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [ الحاقة : 12 ] ؛ لأنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن ؛ فعلى ذلك أضيف القول إلى الرسول من حيث كان سماع الخلق من جهة الرسول ، عليه السلام . ثم الأصل أن [ الكلام والقول ] « 2 » لا يسمعان ، وإنما المسموع منهما الصوت الذي يعرف الكلام والقول به ، ويدل عليه ، لا أن يكون كلامه في الحقيقة صوته ، فينسب أيضا هذا القرآن إلى كلام الله - تعالى - لما يدل على كلامه ، لا أن يكون المسموع - في الحقيقة - هو كلامه [ وجائز أن يكون تأويل قوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، أي : إن الذي سمعتموه ] « 3 » من النبي صلّى اللّه عليه وسلم أتاكم به لقول تلقاه من عند الله الرسول الكريم ، فيذكرهم هذا ليؤمنهم من تخليط يقع فيه من الشياطين وغيرهم من الأعداء . ثم جائز أن يكون الرسول الكريم هو جبريل - عليه السلام - كما قال - تعالى - في سورة : ( إذا الشمس كورت ) : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [ التكوير : 19 ، 20 ] . ويحتمل أن يكون الرسول الكريم هو محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، والأشبه أن يكون هو المراد ؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالته ، ولم يكونوا يقولون في جبريل - عليه السلام - شيئا . وقوله - عزّ وجل - : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ . وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي : إن هذا القرآن لقول رسول كريم ، ليس بقول شاعر ، ولا بقول كاهن . ثم قوله : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ يحتمل أن يكون تأويله : فبقليل ما تؤمنون ، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول ، فالقليل الذي آمنوا به وتذكروا فيه هو الذي كان راجعا إلى منافعهم ، فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به ولا تذكروا فيه ، وإذا كان تأويله ما ذكرنا ، فانتصاب القليل ؛ لانتزاع حرف الخافض ، وفي الحقيقة انتصابه
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : القول والكلام . ( 3 ) سقط في أ .