أبي منصور الماتريدي
190
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
[ لكونه ] « 1 » مصدرا ، وهو المفعول المطلق . وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قول : الكاهن والساحر ، وتأويله : أن الأمور لو كانت « 2 » على ما تزعمون بأنه قول كاهن و [ قول ] « 3 » ساحر ، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ، وقد تعلمون أن الساحر وإن كان الغالب عليه الكذب فيما يأتي ، فقد يصدق في القليل منه ، وكذلك الكاهن ، فما لكم لا تصدقون بالقليل منه ، وأنتم تعلمون أنه صادق ، فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه . وإن كان على التأويل الأول ، ففيه إضمار أنهم لا يؤمنون إلا بالقليل منه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ، فالتنزيل في الحقيقة لا يحتمل أن يسمع ؛ لأنه إخبار عن فعله ، وإنما الذي يسمع منه هو المنزل على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم أضاف إلى نفسه التنزيل ؛ ليعلم أن هذه الأخبار ، وهي قوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وقوله - عزّ وجل - : تَنْزِيلٌ خرجت « 4 » على المجاز ، ليس على التحقيق ؛ لأن التنزيل هو إنزاله ، فسمي : تنزيلا ؛ لأنه هو الذي كلفه الإنزال ، لا أن يكون هو الذي تولى الإنزال ، وإن كان هو خالقه . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، فهذا عطف على ما تقدم من قوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ ، وعليه وقوع القسم ، وهو موضعه ؛ فكأنه يقول : إن الذي تلقاه من عند رسول كريم ، وما هو بقول تلقاه من كاهن أو ساحر ، ولا بقول تقوله علينا ، ولو تقول ، لأخذنا منه باليمين . ويحتمل وجها آخر ، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم ، وليس بشاعر ، ولا كاهن ، ولا متقول ؛ لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة ، ومرة إلى السحر ، ومرة أنه تقوله على الله ، ولو تقول لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ يبين أن عذاب الله بأخص عباده أسرع وقوعا إذا هم خالفوا ، وزلوا - منه بأعدائه ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ فبين أنّه لو وجد منه شيء مما قالوا فيه ، لأخذه على المكان ؛ ألا ترى إلى آدم - عليه السلام - وما حل به عندما ابتلي بالزلة والخلاف ، وكذلك يونس - عليه السلام - وما عوتب على أثر الزلة ؛ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه ، والتذكير ، والاستدعاء إلى ما كانوا عليه من الطاعة ، والانقياد قبل ارتكابهم الزلة ، ولا كذلك عذاب الأعداء ، فأخر عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : كان . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : خرج .