أبي منصور الماتريدي
188
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وحال بينهم وبين هلكتهم ، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك نفسه ، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها . فمحاسبة النفس : أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته ، فإن كان رشدا أمضاه وأنفذه ، وإن كان غيّا انتهى عنه ، كما قال [ النبي ] « 1 » - عليه السلام - : « إذا أردت أمرا فدبّر عاقبته ، فإن كان رشدا فأمضه ، وإن كان غيّا فانته عنه » . وقال في خبر آخر : « إن المؤمن وقّاف وزان » ، ووزنه : ما ذكر في الخبر الأول من النظر في العواقب ، فإذا نظر في العاقبة ، ورأى الرشد في إنفاذه ، فقد وزنه ، وإذا رأى خلاف الرشد ، انتهى عنه ، ولم يقدم عليه ، فذلك وقفه ، فهذا الذي ذكرنا محاسبة « 2 » المرء نفسه فيما يروم من الأمور . ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها وأمضاها أن ينظر : فإن كان ارتكب محرما ، تاب عنه ، واستغفر لله - تعالى - لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة ، وإن كان ذلك فعلا مرضيا حمد الله - تعالى - وسأله التوفيق بمثله ؛ فهذه هي [ محاسبة العبد لنفسه فيما ارتكب ] « 3 » من الأفعال . قوله تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 38 إلى 52 ] فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ( 49 ) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ( 51 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 52 ) وقوله - عزّ وجل - : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ . وَما لا تُبْصِرُونَ : قد وصفنا أن تأويل قوله : فَلا أُقْسِمُ أي : فلا أقسم بما تبصرون من خلق السماوات والأرضين وأنفسكم ، وما لا تبصرون في أنفسكم من الأسماع ، والأبصار ، والقلوب ، والعقول . أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم ، وما لا تبصرون من الخلائق ممن غاب عنكم ، فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسم بالخلائق أجمع ؛ لأن جملة الخلائق على هذين الوجهين ، فصنف منهم يرى ، وصنف لا يرى ، وقد ذكرنا أن القسم من الله - عزّ وجل - لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبّر والتأمل .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : محاسنة . ( 3 ) في ب : محاسبة النفس فيما ارتكب العبد .