أبي منصور الماتريدي

187

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقد ذكر أسامي في الآخرة ليس للخلق بمعرفتها عهد ؛ ألا ترى أن الزقوم ليس باسم لشيء يستقبح ويستفظع في الدنيا ، ثم جعله الله - تعالى - اسما للشيء المستبشع الكريه في الآخرة ، وقال عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [ الإنسان : 18 ] ، والسلسبيل غير معروف فيما بين أهل اللسان . وقال بعضهم « 1 » : الغسلين : ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا ، وذلك هو الصديد والقيح . وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى الله - تعالى - وطلبوا منه ما يرجون أن يرفع عنهم الحر ، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم ؛ فيسمى ما يزول عنهم : غسلينا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ ، فهم الذين قال : إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ . ثم قوله - عزّ وجل - : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً لا يجوز أن تكون السلسلة تفضل عن أبدانهم فتأخذ فضل مكان من جهنم ؛ لأنه - تعالى - وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين ، ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان ، لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط ، فيؤدي إلى خلف الوعد ، والله - عزّ وجل - لا يخلف الميعاد ، ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من أبدانهم فهي تدار على أهلها ؛ ليقع لهم بها فضل تضييق وغم ، فأمّا أن تفضل عن أبدانهم فلا يحتمل . وذكر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ؛ فإنه أهون - أو قال : أيسر - عليكم ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة ؛ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ [ الحاقة : 18 ] » « 2 » . وعن الحسن أنه قال : « إن المؤمن قوام نفسه ، يحاسب نفسه لله - تعالى - وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا ، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة ؛ لأن المؤمن يفجؤه الشيء فيقول : والله إني لأستهينك وإنك لمن حاجتي ، ولكن والله ما لي من صلة إليك ، هيهات حيل بيني وبينك ، ويفرط منه الشيء ؛ فيرجع إلى نفسه ، فيقول : ما أردت هذا ، ما لي ولهذا ، والله ما أعذر ، والله لا أعود لهذا إن شاء الله - تعالى - إن المؤمنين قوم أوثقهم « 3 » العذاب ،

--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 34825 ، 34826 ) ، من طريقين عنه ، وله طرق أخرى ذكرها السيوطي في الدر المنثور ( 6 / 412 ) . ( 2 ) أخرجه ابن المبارك ، كما في الدر المنثور ( 6 / 410 ) . ( 3 ) في ب : أوبقهم .