أبي منصور الماتريدي
186
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تعالى ، ورجاء الثواب في الآخرة ، والكافر غير مؤمن بالجزاء ؛ ليحمله ذلك على الإطعام ، وليس هو بكسب يرغب فيه من مكاسب الدنيا ؛ فكأنه يقول : إن الذي أفضى به إلى النار تركه الإيمان بالله - تعالى - أو بالبعث . ويجوز أن يكون قوله : وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ إثبات السخرية من الذي ترك الحض على أهله بالإطعام ؛ كقوله : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [ يس : 47 ] يقول : كيف أطعمه ومن بيده خزائن السماوات والأرض لا يطعمه ؟ ! فلو كان أهلا للإطعام لكان الأولى من يطعمه هو الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ أي : قريب يرجو منه ، وهو كقوله : فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] فليس له قريب يرجوه ، أو ينفعه ذلك الحميم ، وقد كان له في الدنيا حميم ينتفع به ويرجو منه . وقوله : وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ، وقال في موضع آخر : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [ الغاشية : 6 ] ، وقال في موضع آخر : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ . لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ . فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ [ الواقعة : 51 - 53 ] والزقوم غير الضريع ؛ فهذا - والله أعلم - يدل أن في جهنم دركات ، فأهل دركة منها لا يجدون غير الغسلين ، وأهل دركة منها [ يجدون غير ذلك ، وأهل دركة منها ] « 1 » طعامهم الزقوم ، ليس لهم غيره ، وإلا لو لم يحمل الأمر على هذا ، أوجب ما ذكرناه [ اختلافا ، فيخرج أن يكون من عند الله بقوله : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] ] « 2 » . ثم يجوز أن يكون قدر لأهل كل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون ذلك طعامهم ؛ فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم ، ويهينون من لم يكن عنده ذلك الطعام ، جعل الله - تعالى - لهم من ذلك الوجه طعاما في الجحيم يهانون به . وقال الحسن : إن القرآن كله كسورة واحدة ، والسورة كأنها آية واحدة ، فكأنه جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة فقال : وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ، لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [ الغاشية : 6 ] ، و مِنْ زَقُّومٍ [ الواقعة : 52 ] ، وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم التناقض ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ فجائز أن يكون هذا اسما لشيء من الأشياء التي يعذب بها أهل النار ، لم يطلع الله - تعالى - الخلق على علم « 3 » ذلك ومعرفته في الدنيا ،
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : اختلافا كثيرا . ( 3 ) في ب : مثل .