أبي منصور الماتريدي
181
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
على ما استتر منه ، ويصير الخفي له جليّا ، فيكون سبب بلوغه إلى اليقين والإحاطة الذي سبق منه ؛ فجائز أن يسمّى ذلك يقينا مرة على الحقيقة وظنّا ثانيا على المجاز ، على ما ذكرنا في قوله : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [ الحاقة : 12 ] أن الأذن لا تعي شيئا ، بل تسمع ، ولكنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن ، فصارت الأذن سببا للإيصال إلى الوعي ، فأضاف الوعي إليها ؛ فعلى ذلك ظنونهم في الابتداء إذا بلغتهم إلى اليقين والعلم سمّوا يقينهم « 1 » وعلمهم ظنّا مرة ، ويقينا ثانيا ؛ ألا [ ترى ] « 2 » أن الله - تعالى - قال : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] ، وقال في موضع آخر : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] ، فجعلهم مرة ظانين ، ومرة موقنين ، فيما كان [ طريقته البحث ] « 3 » وإعمال الفكر ؛ ولهذا لا يجوز أن يوصف الله - تعالى - بالإيقان في أمر من الأمور ؛ لأن الأشياء له بارزة ظاهرة ؛ إذ هو منشئها وخالقها ؛ فلا يخفى عليه شيء منها فيحتاج إلى البحث عنها والنظر فيها ، والله الموفق « 4 » . أو نقول بأن الأمور التي سبيل « 5 » دركها الاجتهاد ، لا يخلو شيء منها من اعتراض وساوس وخواطر فيها ، فتلك الوساوس والخواطر تفضي بصاحبها إلى الظنون « 6 » فاستجازوا إطلاق الظن فيها ؛ لما لا تخلو عنه ، واستجازوا إطلاق اليقين لما غلب عليها دلالات اليقين « 7 » والإحاطة ؛ ألا ترى أن من تهدد بالوعيد الشديد ، أو بالقتل على أن يكفر بالله - تعالى - أبيح له أن يجري كلمة الكفر على لسانه ، وجعل كالموقن بإحلال العذاب من المكره ، لو امتنع عن الإجابة إلى ما دعاه و [ إن ] « 8 » لم يتيقن بأنه يفعل به لا محالة ما أوعد به ؛ لأنه يجوز ألا يمكن من ذلك ، ويجوز ألا يبقى إلى ذلك الوقت ، ثم وسع له فعل ذلك بأكبر الرأي وغلبة الظن ، وحل ذلك محل الإحاطة واليقين ؛ فعلى ذلك هاهنا لما غلب دلالات اليقين والصدق ، جاز إطلاق لفظة اليقين عليه ، فأما الأشياء التي تدرك بالحواس والمشاهدات ، فلا سبيل إلى تسمية مثله ظنّا ؛ لما لا يحتمل اعتراض الشبه فيها ، والله الموفق .
--> ( 1 ) في ب : نفسهم . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : طريقا للبحث . ( 4 ) في ب : والله أعلم . ( 5 ) في ب : سبب . ( 6 ) في أ : الجنون . ( 7 ) في أ : النفس . ( 8 ) سقط في ب .