أبي منصور الماتريدي

182

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي : في حياة راضية ، [ يقال ] « 1 » : عاش وحيا بمعنى واحد . وقوله - عزّ وجل - : راضِيَةٍ بمعنى : مرضية معناه ، أن نفسه في حياة ترضى بها ؛ كقوله : مِنْ ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 6 ] أي : مدفوق ، ومثله في الكلام كثير . ويجوز أن يكون المراد : نفس الجنة قد رضيت بأهلها ، وأظهرت رضاها بهم ، كما وصفت الجحيم بالسخط والتغيظ على أهلها ، فجائز مثله في الجنة رضاء واستبشارا ، أي : على معنى أن الجنة تظهر لهم من أنواع الكرامات والخيرات ما لو كان ذلك من ذي العقل يكون ذلك دليل الرضاء ، كما يضاف الغرور إلى الدنيا ، وهي أنها تظهر من نفسها ما لو كان ذلك ممن يملك التغرير ، يكون ذلك غرورا من نفسها . وقوله - عزّ وجل - : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قال بعضهم : مرتفعة ، على ما يستحب في الدنيا من الجنان في ربوة من الأرض مرتفعة . وقال بعضهم : الجنة : اسم لروضة ذات أشجار ؛ فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع والطول والمنظر ، وذلك أشهى إلى أربابها ، وهذا كما قال : قُطُوفُها دانِيَةٌ من غير ذكر الأشجار ؛ لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار . والثالث : يكون معنى العالية ، أي : عظيمة القدر والخطر مرتفعة ، وقد يوصف الشيء الرفيع بالعلو ، والله أعلم . ثم قوله - تعالى - : قُطُوفُها دانِيَةٌ أي : في القطوف متدانية من أهلها لمن يريد قطفها ، وبعيدة لمن لا يريد قطفها . وقيل : دانِيَةٌ ينالها القاعد كما ينالها القائم . وقيل « 2 » : ثمارها دانية ، أي : لا يرد أيديهم منها بعد ولا شوك . وقوله - عزّ وجل - كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ تأويله أن يقال لهم : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفا في أيام الآخرة ، وسلف الرجل لآخر هو أن يعطيه قرضا ؛ ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه ، أو يسلم الرجل رأس ماله في الأشياء التي يأمل منها الربح ، فكأنه بما يشري نفسه يجعلها سلفا ورأس مال ، ليأخذ ربح ما باع في الآخرة ، فذلك هو الإسلاف « 3 » .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) قاله البراء أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 410 ) وهو قول قتادة أيضا . ( 3 ) في ب : للإسلاف .