أبي منصور الماتريدي
178
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] ليس فيه أن الملك كان لغيره ، ولكن بعض الناس كانوا يدعون الإشراك في الملك في الدنيا ، فيتركون في ذلك اليوم دعواهم ، ويتيقنون أنه هو المنفرد بالملك ، وعلى ذلك قوله - تعالى - وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً [ إبراهيم : 21 ] ولم يكونوا بمختفين عنه قبل ذلك ؛ بل كانوا له في [ كل ] « 1 » وقت بارزين ، ولكن من أنكر ادعاء الإخفاء في الدنيا يدع في ذلك اليوم ، ويقر بالبروز ، والله المستعان . ثم روي في الخبر « أن العرضات ثلاث : عرضتان فيهما خصومات ومعاذير » ؛ أي : يختصمون ويتنازعون ، فإذا ظهر ذلك جعلوا يعتذرون ، ويسألون ربهم العفو والصفح عن ذنوبهم وخصومهم ، و « العرضة الثالثة عند تطاير الصحف » . ومعنى قوله : تُعْرَضُونَ أي : يعرض الخلق بعضهم على بعض حتى لا يخفى على أحد خصمه . أو تعرض أعمالهم حتى يذكر كل أحد صنيعه ، وكل خصم خصومته ؛ فكأنهم قد نسوا ذلك من كثرة الفزع وشدة الأهوال ، لكن الله - تعالى - يطلعهم على ذلك حتى يذكروا ذلك ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 19 إلى 24 ] فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) وقوله - عزّ وجل - : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ظاهر ما جرى به الخطاب في القرآن يوجب أن يرحم المؤمنون جميعا فلا يعذبون في الآخرة ، ويعذب الكافرون ولا يرحمون ؛ لأنه قسم الخلق يوم القيامة صنفين : فجعل صنفا [ منهم أهل ] « 2 » اليمين ، وصنفا أهل الشمال ، ثم وصف كل واحد من الصنفين بأعلام ثلاثة : فذكر مرة أنه يخف ميزانهم بقوله : وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ [ المؤمنون : 103 ] ، وذكر مرة أن وجوههم تسود ، وذكر مرة أنهم يعطون كتابهم بشمالهم ؛ فهذه الأعلام ذكرها في أحد الصنفين ، وذكر في الصنف الثاني ، ووصفهم بأعلام ثلاثة : ببياض الوجوه ، وبثقل الميزان ، وبإعطاء الكتاب بأيمانهم . ثم فيما فيه سواد الوجوه ذكر فيه : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [ آل عمران : 106 ] ، وكذلك حين ذكر خفة الميزان ذكر في آخره ما يبين أن الذين خفت موازينهم هم الكفرة ؛ لأنه قال : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : منهم من .