أبي منصور الماتريدي
170
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم لقائل أن يقول في قوله : وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ . فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى وعصاه كيف ذكر مجيء فرعون إلى موسى ، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول ، بل الرسول هو الذي جاء فعصاه فرعون ، لا أن فرعون أتاه ، فاستقبله بالعصيان ؟ قيل : إن كل من أتى آخر وجاءه ، فقد أتاه الآخر ، ومن قرب إلى الآخر ، فقد قرب الآخر إليه ؛ لأن المجيء فعل مشترك ؛ لأنه اسم الالتقاء ، وإنما يقع الالتقاء بهما جميعا ليس بأحدهما ؛ فلذلك استقام [ إضافة ] « 1 » المجيء إلى فرعون ، وعلى هذا تأويل قوله تعالى : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الشعراء : 90 ] ، أي : قربت للمتقين ، وأهلها هم الذي يقربون إليها في الحقيقة ، ولكنهم إذا قربوا إليها ، فقد قربت هي إليهم ، فأضيف إليها التقريب لهذا ؛ فعلى هذه العبارة يمكن أن يتأول قوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] ، وقوله - عزّ وجل - : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [ البقرة : 210 ] ، أي : أتاه الخلق ، لا أن يكون هو الذي يأتيهم ؛ لأنه قال : وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ [ النور : 64 ] ، وقال : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [ آل عمران : 28 ] ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [ البقرة : 210 ] ، فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه ، ويرجعون إليه ، ولكن نسب المجيء والإتيان إلى الله تعالى ؛ لأنهم إذا أتوه [ فكأنه قد ] « 2 » أتاهم من الوجه الذي ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال في الله تعالى . والثاني : أن اسم المجيء وإن أطلق واستعمل [ في المجيء ] « 3 » إلى مكان من مكان ، فقد يستعمل أيضا في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال ؛ قال الله تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ [ الإسراء : 81 ] ، ومعناه : ظهر الحق ، ليس أن الحق كان في موضع فانتقل عنه إلى غيره ؛ فأمكن أن يكون قوله : وَجاءَ فِرْعَوْنُ أي : كذب بما أنزل على موسى ، عليه السلام . وجائز أن يكون قوله : وَجاءَ فِرْعَوْنُ أي : جاء بالخاطئة ؛ فيكون المجيء مصروفا إلى الخطايا ، وهذا التأويل أملك بظاهر الآية ؛ لأنه قال : وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ، أي : جاءوا بالخطايا . وقوله - عزّ وجل - : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً . أي : عالية ؛ حيث علت أبدانهم . وجائز أن يكون المراد منه : أن عقوبتهم ربت على الأخذ أي : [ زادت على الأخذ ] « 4 » ؛
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : فقد . ( 3 ) في ب : اسم المجيء . ( 4 ) في ب : زادت على وأدت على الأخذ .