أبي منصور الماتريدي
171
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لأنها أخذت أبدانهم وأهلكتها ، ثم ردت أرواحهم إلى جهنم فتعرض عليها غدوّا وعشيّا ، فذلك هو الزيادة على الأخذ ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ . قال بعضهم « 1 » : أي : طغى على الخزان ؛ لأن « 2 » الخزّان يطلقون « 3 » القطر بالكيل والوزن والقدر المعلوم ، ثم ذكر في موضع آخر : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ [ القمر : 11 ] أي : منصب ؛ فيكون تأويله : أن الله - تعالى - لم يمكنهم من حفظ القطر في ذلك الوقت ؛ فطغى عليهم لهذا المعنى ، وإلا لو لزموا حفظه في ذلك الوقت ، لكان الماء لا يطغى عليهم ، على ما ذكرنا : أنه لا يجوز أن يؤمروا بحفظه ولا يملكون حفظه . وجائز أن يكون قوله : طَغَى ، أي : طغى على الذين أهلكوا من مكذبي نوح - عليه السلام - وقد وصفنا تأويل الطاغي ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ . قد ذكر أنه حملنا ، ولم نكن نحن يومئذ فنحمل ، والخطاب للذين كانوا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وإنما كان لأن بنجاة أولئك المحمولين نجاة ذريتهم ، وبهلاك أولئك فناء ذريتهم ؛ فكأنه قد حملهم بحمل أولئك ؛ لما حصلت « 4 » لهم النجاة بحملهم « 5 » . أو أضاف إليهم ؛ لأنه قدر كونهم من آبائهم ؛ فكانوا حملوا تقديرا ، وهو كقوله : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ [ الأعراف : 26 ] ، ومعناه : أنزلنا عليكم ما قدرنا كون اللباس منه ، وهو المطر ، فإذا أنزل المطر الذي قدر كون اللباس منه ، فكأنه أنزل اللباس ، وقال - عزّ وجل - : فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] ، ونحن لم نخلق من التراب ، ولكن لما قدر خلقنا من التراب الذي أصلنا منه فكأنا خلقنا منه ؛ فعلى ذلك وإن لم نكن محمولين في السفينة ، فقد حمل أصلنا ؛ لنكون [ نحن من ] « 6 » ذلك الأصل ، فكأنا قد حملنا فيها « 7 » ؛ إذ
--> ( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه أبو الشيخ في العظمة والدارقطني في الأفراد ، وابن مردويه وابن عساكر عنه مرفوعا بنحوه . وأخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ( 34727 ) عنه موقوفا بنحوه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 405 ) ، وهو قول علي بن أبي طالب وسعيد بن جبير وغيرهما . ( 2 ) في ب : ولأن . ( 3 ) في أ : يرسلون . ( 4 ) في ب : حصل . ( 5 ) في أ : كلهم . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) في ب : منها .