أبي منصور الماتريدي

169

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَالْمُؤْتَفِكاتُ . قيل « 1 » : قريات لوط ، ائتفكت على أهلها ، أي : انقلبت عليهم ؛ بما عصت رسلها . وقيل : المؤتفك : الذي يأتفك من الصدق إلى الكذب ، ومن الحق إلى الباطل ، ومن العدل إلى الجور ، فمن قرأه : ومن قبله بخفض القاف ، كان قوله : وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ . فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ واقعا كله على العصيان لموسى - عليه السلام - والمراد من المؤتفكات : كل من ائتفك من الحق إلى الباطل ، دون أهل قريات لوط ؛ لأنهم كانوا قبل زمان موسى بكثير . ومن قرأه : ومن قبله بنصب القاف ، كان قوله : فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ واقعا على رسول [ كل فريق ] « 2 » ، كأنه قال : عصى كل أمة رسولها ، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد من المؤتفكات قوم لوط ، عليه السلام . ثم قوله : بِالْخاطِئَةِ ، أي : بالخطايا والشرك . وذكر أبو معاذ عن مجاهد في تفسير الخاطئة الشرك والكفر ، وأنكر ذلك ، واحتج بأن الله - تعالى - لم يذكر من قوم لوط - عليه السلام - كفرا وشركا في كتابه ، إنما ذكر [ ركونهم للفاحشة ] « 3 » وبها أهلكوا ؛ إذ لم ينزعوا ولم يتوبوا . قال : ولو كانوا مشركين ، لم يقل لهم لوط : قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [ هود : 78 ] ، أراد بذلك الإنكاح « 4 » والكافر لا يصح منه نكاح المسلمة . وليس كما زعم ، بل كانوا أهل شرك وكفر بالله تعالى ؛ ألا ترى إلى قوله فيما حكى عن قوم لوط من قولهم « 5 » : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [ الشعراء : 167 ] ، فإخراج الرسل من أماكنها من صنيع أهل الكفر . وقال في موضع آخر : أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [ النمل : 56 ] فطابت أنفسهم بإخراج لوط - عليه السلام - من قراهم ، ومن فعل ذلك ، لم يشك في كفره . وقال في قصة لوط أيضا : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات : 35 ، 36 ] ، فثبت أنهم كانوا كفارا .

--> ( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 34747 ) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 406 ) . ( 2 ) في ب : ربهم . ( 3 ) في ب : ركوبهم الفاحشة . ( 4 ) في ب : بالإنكاح . ( 5 ) في أ : قوله .