أبي منصور الماتريدي
168
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - خاوِيَةٍ . قال بعضهم : أي : بالية . وقيل : الخاوية ، أي : ساقطة ؛ كقوله - تعالى - : وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [ البقرة : 259 ] ، أي : ساقطة على قوائمها . وقيل : أي : خالية ، فوصفها بالخلاء لأنها أقلعت من أصلها حتى خلا ذلك المكان عنها ، وأعجاز النخل : أصوله . وقوله - عزّ وجل - فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ . فيه أنه لم يبق لهم نسل يذكرون بهم ، بل أهلكوا بأجمعهم ، وانقطع نسلهم ، وانقطع عنهم الذكر إلا بالسوء ، وإلا كان يرى لهم باقية ، ففيه أنهم استؤصلوا وعم العذاب الكبير والصغير ، يخوف أهل مكة بما يخبرهم عما فعل بأولئك ، وفيه إخبار أنهم عذبوا بعذاب لا رحمة فيه ، وهكذا سنة الله - تعالى - في مكذبي الرسل من قبل ، وجعل تعذيب هذه الأمة أن يجاهدوا ويقاتلوا ، فتعذيب هذه الأمة تعذيب فيه رحمة ؛ لأن الصغار منهم لا يقاتلون ، والنساء لا يقاتلن ، بل يسبين رجاء أن يسلمن ؛ فعلى هذا يخرج قوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ، والله أعلم . ويشبه أن يكون هذا جواب قولهم : إن محمدا صرور ، أي : ليس له ولد يبقي نسله وذكره ، فأخبر - تعالى - أن كثرة الأولاد لا تغني من الله شيئا ؛ إذ قد كانت لهم أهال وأولاد فأهلكوا عن آخرهم ، وانقطع التناسل منهم ؛ ليعلموا [ أنه يبقى ذكر ] « 1 » لمن أطاع الله - تعالى - ورسوله ، كان ثمّ أولاد ، أو لم يكن ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ . قرئ بكسر القاف وفتح الباء ، وقرئ بنصب القاف وجزم الباء . فتأويل القراءة الأولى : أي : جاء فرعون ومن معه من جنده وأتباعه ، أو من قبله : من كان من أهل القرى التي بغرب المصر ، وقد روي [ في الشاذ ] « 2 » في بعض الحروف : وجاء فرعون ومن دونه . وجائز أن يكونوا من أتباع فرعون . وجائز ألا يكونوا . وتأويل القراءة الثانية : أي : جاء فرعون ومن كان متقدما عليه من الأمم الماضية .
--> ( 1 ) في ب : أن الذكر الباقي . ( 2 ) في ب : بالشاذ .