أبي منصور الماتريدي
166
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : اشتق هذا الاسم للعذاب من أفعال من عذب به ليس أنها طاغية ، لكن أخذ اسمه عن فعل القوم ؛ كقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ، وقال : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] ، وإنما ذلك كله جزاء سيئاتهم واعتدائهم . وقيل « 1 » : بِالطَّاغِيَةِ أي : بطغيانهم وذنوبهم الذي سلف منهم ؛ كقوله تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [ الشمس : 11 ] . ويحتمل أن يكون هذا صفة لأحوالهم التي كانوا عليها من شدة التمرد والعتوّ ومن طغيانهم التكذيب بالحاقة والقارعة ، ففيه تخويف لأهل مكة أن سيهلكهم الله - تعالى - إن لم ينتهوا عن التكذيب كما أهلك أولئك . وقوله - عزّ وجل - وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . قال الحسن : الريح الصرصر هي الصيحة « 2 » ، وهي التي لها صوت . وقال بعضهم « 3 » : هي [ الريح الباردة ] « 4 » الشديدة البرد ؛ كقوله : رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ . . . الآية [ آل عمران : 117 ] ، والصر : البارد ، والصرصر المكرر منه ، فوصفها لدوامها وتكررها . وقوله - عزّ وجل - عاتِيَةٍ فتأويلها على ما ذكرنا في الطاغية . وذكر الكلبي وغيره : أنها سميت : عاتية ؛ لأنها عتت على الخزان فلم يطيقوها ، وهذا لا يستقيم ؛ لأنه لا يجوز أن يوكل الخزان على حفظها ، ثم لا يمكنون من الحفظ حتى تعتوا عليهم ، إلا أن يقال بأنهم لم يوكلوا بحفظها في ذلك الوقت ، فأما إذا وكلوا بحفظها ، ثم لا يجعل لهم إلى حفظها سبيل ، فهذا مستحيل ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً . قوله : سَخَّرَها قيل : أرسلها . وقيل : أدامها عليهم . وقيل : التسخير : التذليل ، أي : ذللها ؛ فصيّرها بحيث لا تمتنع عن المرور عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم ، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها ، وإنما أرسل الريح على أبدانهم خاصة ، لم تهلك شيئا من مساكنهم ؛ كقوله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا
--> ( 1 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 34721 ) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 405 ) ، وهو قول ابن زيد . ( 2 ) في أ : القبة . ( 3 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 34725 ) وهو قول قتادة ومجاهد . ( 4 ) في ب : النار .