أبي منصور الماتريدي
152
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بين الفريقين في دار الكرامة ، ومن الجور أن يجمع « 1 » بينهما ، وهم كانوا يقرون أن الله - تعالى - أحكم الحاكمين . وقوله - عزّ وجل - : أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ . فحاجهم أولا بما توجبه الحكمة ، وهو أنكم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما ، فإن كنتم تدعون الجمع فيما بينهما بالحكمة ، فأنتم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة بينهما ، وإن كنتم تدعون ذلك من كتاب الله - تعالى - فأي كتاب من عند الله جاءكم فيوجب التسوية بينكم وبين الأولياء ؟ ! وأي رسول أخبركم أنكم تساوون الأولياء في نعيم الآخرة ؟ ! . ثم وجه المحاجة بالكتاب هو أن مشركي العرب لم يكونوا يؤمنون بالكتاب ولا بالرسل ، ولو كانوا يؤمنون بهما ، لكانوا يقدرون أن يقولوا : إن لنا كتابا درسناه ، فوجدنا فيه ما نذكر وندعي ، ورسول صلّى اللّه عليه وسلم قد أخبرنا بذلك ، ولكنهم إذا كانوا لا يؤمنون بهما صار هذا الوجه الذي ذكره الله - تعالى - نفي حجة لازمة عليهم ، والله أعلم . وقوله : إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ . أي : وفي ذلك الكتاب تجدون أن لكم فيه لما تخيرون . وقوله : أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ . وهذا أيضا صلة الأول ، أي : هل شهدتم الله تعالى أقسم لكم « 2 » أنه هكذا كما تحكمون ؛ وهذا كقوله تعالى : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [ البقرة : 133 ] وقوله : إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا [ الأنعام : 144 ] ، فأخذهم بالمقايسة أولا ؛ وهو كقوله « 3 » تعالى : قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ [ الأنعام : 146 ] ، فلما لم يتهيأ لهم تثبيت ذلك بالقياس والمعقول ، احتج عليهم بقوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا [ الأنعام : 144 ] ، وقد عرفوا أنهم لم يشهدوا ، وما ادعوه لا ثبات له إلا من الوجوه التي ذكرها ، وإذا لم يثبتوا بشيء من ذلك تبين عندهم فساد دعواهم ، فهذا أيضا مثله ، وهو أنه سألهم عن إيراد الحجة : إما من جهة الحكمة ، أو من جهة الكتاب ، أو من جهة الشهادة ، فإذا لم يثبت لهم واحد من هذه الأوجه فبأي وجه يشهدون على الله تعالى أنه يفعل ذلك . وقوله : بالِغَةٌ أي : وكيدة ، أو بلغت إليكم عن الله تعالى .
--> ( 1 ) في أ : يقع . ( 2 ) زاد في ب : الله تعالى . ( 3 ) في ب : قوله .